شهد شاطئ “قاع أسراس” في إقليم شفشاون، شمال المغرب، واقعة غير مألوفة ليلة أمس عندما تدفقت أعداد هائلة من الأسماك نحو اليابسة، في مشهد أثار دهشة واستغراب المواطنين الذين حضروا بالآلاف لمتابعة هذه الظاهرة الطبيعية العجيبة.
وتعيد هذه الواقعة إلى الأذهان أحداثا مماثلة شهدتها مناطق أخرى في المغرب، وأهمها النفوق الجماعي للأسماك بوادي انفيفيخ قرب المحمدية، ما يولد مخاوف وأسئلة بيئية جدية حول مستقبل الثروة البحرية المغربية.
لوحة طبيعية نادرة تثير الجدل
وبحسب شهود عيان، غطت الأسماك جزءا من رمال شاطئ “قاع أسراس” ليلا، واصطف المواطنون لمشاهدة منظر غريب حبس أنفاسهم.
وانتشرت الفيديوهات والصور عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث وصف الحدث بـ”الاستثنائي” وأعيد تداوله على نطاق واسع، وسط تساؤلات عديدة من المواطنين المغاربة والخبراء حول الأسباب العلمية والبيئية الكامنة وراء هذا التدفق المفاجئ للأسماك.
خبراء الأحياء البحرية لم يصدروا بعد تفسيرا رسميا دقيقا للواقعة، إلا أن فرضيات عدة جرت مناقشتها اضطرابات المناخ وتغير حرارة المياه، وتغيرات مفاجئة في التيارات البحرية، والهروب من كائنات مفترسة مثل الحيتان
وكذلك تأثير السيول وبعض الأمطار الأخيرة على تركيبة المياه
ويقول رشيد، أحد بحارة الصيد التقليدي بالمغرب: “الماء الحلو من الجيد انسلاله للبحر، إذ يساهم في استقطاب الكثير من الأنواع السمكية نحو الشاطئ لوضع بيوضها وللاقتيات على العوالق والكائنات الحية التي ترافق السيول إلى البحر، فيما تفر أنواع أخرى نحو الأعماق”.
ظاهرة نفوق الأسماك بوادي انفيفيخ
بالتزامن مع هذا الحدث الطبيعي في شفشاون، شهد واد انفيفيخ بين مدينتي المحمدية والمنصورية حادثا بيئيا مقلقا بعد نفوق كميات كبيرة من الأسماك قبيل مصبه بشاطئ “صابليت”، في مشهد أعاد للأذهان وقائع مشابهة قبل ثلاث سنوات، ولم تفسر أسبابها حتى اليوم.
الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب طالبت عامل المحمدية بفتح تحقيق عاجل حول “نفوق الأسماك في ظروف مجهولة”، وتسائلت عن حقيقة تحول “الوادي إلى مكب للمياه العادمة”، مشددة على ضرورة إيضاح الإجراءات الحكومية لوقف الظاهرة ومعرفة أسبابها.
نشطاء بيئيون رجحوا عدة أسباب محتملة لهذه الكارثة
وجود قنوات للصرف الصحي تفرغ مخلفاتها قرب مصب الوادي على شاطئ الصابليت بالمحيط الأطلسي
ارتفاع منسوب النفايات والتلوث العضوي والصناعي في المياه
ضعف البنيات التحية البيئية في التراب المحلي، خاصة أن منطقة بني يخلف تعاني غياب شبكات صرف صحي كافية، وتنامي الروائح الكريهة والملوثات
وتؤكد حركة المدافعين عن البيئة بالمحمدية:”المسألة ليست تغيرا مناخيا فقط، بل في التلاعب بالمناخ والعبث بالطبيعة عن قصد، أو في الوعي غير الأخلاقي تجاه باقي الكائنات الحية التي تتقاسمنا الأرض”.
هل التغير المناخي هو السبب؟
تصاعد الحديث في الأوساط العلمية والإعلامية المغربية حول علاقة تغير المناخ بهذه الظواهر. فخروج الأسماك بكميات ضخمة في شواطئ المغرب تزامن مع ارتفاع حرارة البحر وتغير التيارات البحرية، وهي فرضية يدعمها معهد INRH للأبحاث، إلى جانب ارتباط الحادثة بظروف السيول والأمطار التي جرفت كميات من العوالق والأملاح إلى الشواطئ.
في سيدي إفني، أرجع الخبير البيئي محمد السحايمي نفوق أسراب أسماك الأنشوبا، إلى النشاط البشري وليس التغير المناخي، حيث أشار إلى احتمال قيام صيادين بالتخلص من كميات زائدة من الأسماك لصعوبة نقلها، مقابل تأثير التيارات البحرية في نقل هذه الكميات الضخمة إلى الشاطئ.
خطر التلوث المدني والصناعي على البيئات المائية
تشير الدراسات إلى أن التوسع الحضري وتزايد السكان في المناطق الساحلية يؤثر سلبا على البيئة البحرية، خاصة مع انتشار المصانع وغياب الرقابة على شبكات الصرف الصحي.
ويلقي خبراء الضوء على خطورة تلوث الأنهار، والتي تنقل الرواسب والمخلفات نحو الشواطئ، مسببة نفوق الكائنات البحرية وتدهور الموائل الطبيعية.
كما يحذر تقرير للبنك الدولي من أن شواطئ المغرب العربي تتآكل بوتيرة أسرع من المعدلات العالمية، وأن حجم التلوث المدني والصناعي يشكل “قنبلة اجتماعية واقتصادية موقوتة”.





