في الأيام الأخيرة، تصاعدت حدة التوترات بين القاهرة ولندن بعد قرار السلطات المصرية إزالة الحواجز الأمنية من محيط السفارة البريطانية في قلب العاصمة جاردن سيتي. هذا التحرك المفاجئ حمل رسائل سياسية قوية وردود فعل دولية بارزة، وفتح الباب لتساؤلات عن مستقبل العلاقات بين البلدين، خاصة في ضوء “مبدأ المعاملة بالمثل” الذي اتخذته الخارجية المصرية كقاعدة واضحة للرد على ما اعتبرته تقصيراً بريطانياً في حماية السفارة المصرية في لندن.
خلفيات الأزمة: الضمانات الأمنية والسيادة المصرية
بدأت جذور الأزمة بعد تعرض السفارة المصرية في بريطانيا لاعتداءات خلال احتجاجات مرتبطة بالحرب في غزة. تلقت القاهرة تلك الأحداث بقلق بالغ واعتبرت أن بريطانيا لم توفر الحماية الكافية لبعثتها الدبلوماسية وفقاً لالتزامات اتفاقية فيينا، الأمر الذي دفع الخارجية المصرية للتلويح بالمعاملة بالمثل والتلخيص في شعار: “لن نحمي من لا يحمينا”. وبالفعل، نفذت وزارة الداخلية المصرية قراراً بإزالة الحواجز الضخمة التي كانت تحيط بالسفارة البريطانية لسنوات، وهو إجراء وجد صداه مباشرة في التعليقات الإعلامية والشعبية.
السفارة البريطانية ترد: الإغلاق المؤقت وإعادة تقييم الوضع
رداً على القرار المصري، أعلنت السفارة البريطانية في القاهرة يوم 31 أغسطس 2025 إغلاق أبوابها مؤقتاً، مع استمرار تقديم الخدمات القنصلية عبر أرقام الطوارئ. أوضحت السفارة أن الخطوة تأتي “لحين مراجعة تداعيات التغييرات الأمنية” وتقييماً للتهديدات المحتملة، وطالبت المواطنين البريطانيين بمتابعة آخر التحديثات عبر منصاتها الرسمية. لكن بعد ساعات من التفاوض السياسي، أعلنت السفارة البريطانية تراجعها عن الإغلاق وعودة العمل في مقرها، مؤكدة حرصها على استمرار التعاون مع السلطات المصرية.
المعاملة بالمثل: مبدأ جديد في الدبلوماسية المصرية
قرار إزالة الحواجز الأمنية لم يكن معزولاً ولا ارتجالياً، بل جزء من سياسة ردع دبلوماسية معلنة. وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي صرح بأن هذا الإجراء تطبيقا لمبدأ “المعاملة بالمثل”، مؤكداً أن على الدول الأخرى احترام سيادة مصر وتوفير الحماية الكاملة لمقارها الدبلوماسية، وإلا فسيتم التعامل معها بنفس المعايير. الإعلام المصري ونواب البرلمان شددوا على أن هذه الخطوة تصويبٌ لوضع خاطئ، حيث كانت الحواجز تعيق حركة المصريين لأعوام لصالح تأمين استثنائي للسفارة البريطانية.
ردود الأفعال: غضب بريطاني ورضا مصري
بينما أبدت لندن استياءها من قرار إزالة الحواجز، معتبرة أنه يعرّض أمن بعثتها الدبلوماسية للخطر، رحبت قطاعات عريضة داخل مصر بما وصفته “استعادة للكرامة الوطنية” وتأكيداً على الاستقلالية وتحقيق المساواة في التعامل مع الدول. تعليقات المراقبين الإعلاميين أجمعت على أن مصر أصبحت ترسم خطوطاً أكثر وضوحاً في تعاملاتها الخارجية، وتؤكد مجدداً أنها دولة لا تقبل الاستثناءات أو الاختراقات في ملف السيادة والأمن.
أبعاد سياسية وأمنية: ما القادم؟
الأزمة الحالية تعكس جانباً مهماً من واقع العلاقات الدولية في الشرق الأوسط، حيث أصبح مبدأ المعاملة بالمثل سلاحاً دبلوماسياً ـ لا فقط انعكاساً لانزعاج مصري مشروع، بل تأكيداً على تغيير أولويات القاهرة في تحقيق المصالح الوطنية. مع احتواء الأزمة مبدئياً وعودة السفارة البريطانية للعمل، إلا أن الملف لم يُغلق بالكامل؛ فهناك مخاوف من تداعيات اقتصادية وسياحية، وأحاديث خلف الأبواب المغلقة عن ضرورة إعادة صياغة قواعد حماية البعثات الدبلوماسية في كلا البلدين.
الأزمة الأخيرة أكدت أن موازين القوى الدبلوماسية في تغير متسارع، وأن استعادة السيادة الوطنية ليست مجرد قرار إداري، بل رسالة قوية تعيد رسم قواعد اللعبة بين العواصم الكبرى وتفتح فصلاً حافلاً بالاحتمالات!










