أعلنت الحكومة البريطانية مؤخراً موقفها الرسمي من اتهامات ارتكاب إسرائيل “إبادة جماعية” ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، مؤكدة في رسالة رسمية أنها لم تخلص إلى وجود نية محددة لدى إسرائيل لتدمير جماعة فلسطينية كاملة أو جزئية، وبالتالي لا تصنف الأفعال الحالية كإبادة جماعية وفق تعريف اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948. ومع هذا الاعتراف، أعلنت لندن عن قلقها العميق من المعاناة “المروعة للغاية” التي يعانيها المدنيون في غزة في ظل العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة التي أودت بحياة أكثر من 64 ألف فلسطيني خلال الحملة .
جاء هذا الإعلان في ظل توتر شديد في العلاقات بين بريطانيا وإسرائيل، خاصة أن الحكومة البريطانية تواجه انتقادات داخلية وخارجية على مواقفها المتباينة في التعامل مع الأزمة الفلسطينية، لا سيما أن بعض نواب حزب العمال البريطاني يعارضون رفض الحكومة تأييد وجود إبادة جماعية ويطالبون باتخاذ إجراءات أكثر حسمًا تجاه إسرائيل. كما رفضت الحكومة البريطانية مقترحات لتعديل قوانين تتيح محاكمة المسؤولين الإسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم حرب في المحاكم البريطانية، مما تسبب في غضب حقوقيين ونشطاء حقوق الإنسان .
ردود الفعل العربية كانت حادة على موقف بريطانيا؛ إذ انتقد العديد من السياسيين والمنظمات الحقوقية الموقف البريطاني، معتبرين أنه بمثابة تبرئة غير عادلة لإسرائيل وشراكة في الجريمة التي ترتكبها بحق الفلسطينيين. مركز العودة الفلسطيني وصف موقف لندن بأنه يجعلها “شريكًا متواطئًا” في ما يجري من انتهاكات بحق الشعب الفلسطيني. كما عبرت دول عربية عدة عن استيائها من تأييد لندن لإسرائيل من الناحية العسكرية والسياسية رغم الكارثة الإنسانية المعقدة التي تمر بها غزة.
في التفاصيل القانونية، أوضح ديفيد لامي، وزير الخارجية البريطاني السابق، في رسالة موجهة إلى لجنة برلمانية، أن جريمة الإبادة الجماعية تُعرف بوجود “نية محددة لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية كليًا أو جزئيًا”، وهو الشرط الذي لم تُثبت الحكومة البريطانية وجوده في سياق الأحداث في غزة. مع ذلك، أكد على أن عدد الضحايا المدنيين والدمار الشامل أمران “مروعان تمامًا”، ويجب على إسرائيل بذل جهود أكبر لتخفيف المعاناة الإنسانية في القطاع، مع الإشارة إلى أن عملية التقييم والمراجعة للحرب لا تزال مستمرة ومتواصلة على المستويين الوطني والدولي.
كما تشهد الساحة السياسية البريطانية انقسامات بين نواب حزب العمال أنفسهم حول هذه القضية، مع توجه نحو قبول رؤية القانون الدولي التي تقول إن محكمة العدل الدولية وحدها يمكنها تحديد وقوع إبادة جماعية، في حين أن بعض النواب يرون ضرورة تدخل أكبر لتصنيف الأحداث في غزة على أنها إبادة جماعية ما يحتم إجراءات قانونية صارمة تجاه إسرائيل.
هذا الموقف البريطاني الذي يجمع بين نقد واضح للعمليات الإسرائيلية في غزة من حيث المعاناة الإنسانية، وعدم الاعتراف القانوني أو السياسي بارتكاب إسرائيل إبادة جماعية، يمثل مركز ثقل كبير في السياسة الدولية إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويكشف عن تحديات الالتزام الدولي بحقوق الإنسان وسط مصالح دبلوماسية وسياسية معقدة.
هذا التقرير الصحفي يقدم تحليلاً متكاملاً لموقف بريطانيا الراهن تجاه الاتهامات الموجهة لإسرائيل بإبادة الفلسطينيين في غزة، ويغطي ردود الفعل العربية والداخلية البريطانية التي تعكس عمق الانقسام السياسي والحقوقي حول مسألة فلسطين في الساحة الدولية، مع تسليط الضوء على ما يخبئه المستقبل من تداعيات في إطار حقوق الإنسان والقانون الدولي .










