في خطوة وصفها المراقبون بـ”التاريخية والجريئة”، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يوم الأحد 21 سبتمبر 2025، أن المملكة المتحدة تعترف رسميًا بدولة فلسطين، كما أعلن عن حزمة عقوبات ضد حركة حماس خلال الأيام القادمة.
يأتي الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين وسط استمرار الحرب الدامية في غزة وتصاعد الانتقادات للسياسة الإسرائيلية، ويمثل نقطة تحول غير مسبوقة في الموقف البريطاني من القضية الفلسطينية.
رغم أن الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين لا يُحدث تغييرًا فوريًا على الأرض، إلا أنه يحمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية عميقة، من حيث تأثيره على العلاقات البريطانية-الإسرائيلية، وابتعاده عن الموقف الأمريكي الرافض حتى الآن لأي اعتراف مماثل.
كير ستارمر: “الاعتراف خطوة من أجل السلام… وليس مكافأة لحماس”
في بيان ألقاه من داونينغ ستريت، قال رئيس الوزراء كير ستارمر:”في مواجهة الرعب المتزايد في الشرق الأوسط، نتحرك للحفاظ على إمكانية السلام وحل الدولتين، وهذا يعني إسرائيل آمنة إلى جانب دولة فلسطينية قابلة للحياة”.
وأكد ستارمر أن الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين لا يعني دعمًا لحماس، بل خطوة لتعزيز المسار الدبلوماسي:”هذا الحل ليس مكافأة لحماس، لأنها لا يمكن أن يكون لها مستقبل في الحكم أو في الأمن”.
كما أعلن رئيس الوزراء البريطاني عن عقوبات جديدة ضد قيادات في حماس خلال الأسابيع المقبلة، مجددًا الدعوة للإفراج الفوري عن الرهائن المحتجزين لدى الحركة منذ هجوم 7 أكتوبر 2023.
ردود فعل غاضبة من إسرائيل… وخلاف واضح مع ترامب
الرد الإسرائيلي لم يتأخر. فقد وصف متحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القرار بأنه:”مكافأة للإرهاب وتجاهل للضحايا الإسرائيليين والرهائن المحتجزين لدى حماس”.
وأضاف أن الاعتراف البريطاني “يعزز عزلة إسرائيل عن حلفائها الغربيين” في وقت تواصل فيه حملتها العسكرية على غزة.
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فأعرب عن “خلاف نادر” مع رئيس الوزراء البريطاني خلال زيارته الرسمية إلى لندن الأسبوع الماضي، قائلاً:”لديّ خلاف مع رئيس الوزراء في هذا الشأن، وهو في الواقع أحد خلافاتنا القليلة”.
انقسام داخلي في بريطانيا… وضغوط متزايدة من حزب العمال
القرار جاء بعد ضغوط متزايدة على كير ستارمر من داخل حزب العمال، وخاصة من النواب المؤيدين لفلسطين. وكان الحزب قد تعهد بالاعتراف بالدولة الفلسطينية في برنامجه الانتخابي.
وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي أكد في تصريحات إعلامية أن الاعتراف لن يُغيّر الوضع الإنساني في غزة بشكل فوري، لكنه قال:”هذه خطوة رمزية لكنها مهمة لإعادة الزخم السياسي لحل الدولتين”.
في المقابل، حذّرت منظمة العفو الدولية من أن الاعتراف قد يكون “مجرد لفتة فارغة” إذا لم تتبعها خطوات حقيقية لوقف ما وصفته بـ”الاحتلال غير القانوني والإبادة الجماعية ونظام الفصل العنصري المفروض على الفلسطينيين”.
كندا وأستراليا تلتحقان بالموقف البريطاني
بالتزامن مع الخطوة البريطانية، أعلنت كل من كندا وأستراليا اعترافهما بدولة فلسطين، في محاولة منسقة لخلق زخم دولي لصالح حل الدولتين، بعد سنوات من الجمود.
عائلات الرهائن: “الاعتراف عرقل جهودنا”
أعربت عائلات الرهائن المحتجزين لدى حماس عن قلقها من القرار البريطاني، ووجهت رسالة إلى رئيس الوزراء البريطاني جاء فيها:
“الاعتراف الرسمي أدى إلى تعقيد الجهود الرامية إلى إعادة أحبائنا إلى الوطن بشكل كبير”.
وقالت والدة أحد الرهائن البريطانيين، أفيناتان أور، إن هذه الخطوة “قد تكون مفهومة سياسيًا، لكنها خاطئة إنسانيًا في هذا التوقيت”.
ماذا بعد الاعتراف؟
رغم أن هذا الاعتراف لن يُنشئ دولة فلسطينية على الأرض بين عشية وضحاها، كما أقر وزير الخارجية ديفيد لامي، إلا أن له تداعيات طويلة الأمد:
تصعيد في التوتر بين لندن وتل أبيب
ضغوط على الولايات المتحدة لمراجعة موقفها
تعزيز مكانة بريطانيا لدى المجتمع الدولي كمناصر لحل الدولتين
إمكانية تشجيع دول أوروبية أخرى على اتخاذ خطوة مماثلة
لكن على الجانب الآخر، من غير المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تغيير حقيقي في الوضع الإنساني في غزة ما لم يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم، واتفاق سياسي يشمل جميع الأطراف المعنية.
اعتراف بريطانيا الرسمي بدولة فلسطين يُعتبر تحولًا كبيرًا في سياستها الخارجية تجاه الشرق الأوسط، ويؤكد التزام حكومة كير ستارمر بدعم حل الدولتين رغم المعارضة الإسرائيلية والأمريكية.
لكن يظل التحدي الأكبر في ترجمة هذا الاعتراف إلى مسار عملي للسلام، في ظل استمرار القتال، وانقسام المواقف الدولية، وتعقيد الملفات المرتبطة بالرهائن، والمساعدات، والمشاركة السياسية المستقبلية لحركة حماس.










