في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وقّعت إثيوبيا وكينيا اتفاقية تعاون دفاعي جديدة هي الثانية من نوعها بين البلدين منذ توقيع أول اتفاقية عام 1963، مما يعكس تطوراً نوعياً في علاقاتهما العسكرية.
وجاء توقيع الاتفاقية عقب لقاء جمع المشير برهانو جولا، رئيس أركان القوات المسلحة الإثيوبية، والجنرال تشارلز موريو كاهاري، رئيس أركان الجيش الكيني، وذلك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وسط تحديات إقليمية متصاعدة تتطلب تنسيقاً أوسع في القضايا الأمنية والدفاعية.
أبرز بنود الاتفاقية العسكرية
وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية (فانا)، فإن الاتفاقية الجديدة بين إثيوبيا وكينيا تهدف إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة وتبادل الخبرات.
وكذلك دعم تطوير الصناعات الدفاعية، ومكافحة الإرهاب، خاصة ضد تهديدات حركة الشباب الصومالية، وتأمين الحدود ومعالجة النزاعات العابرة للحدود.
وأيضا تطوير آليات استجابة مشتركة بين إثيوبيا وكينيا في حالات الطوارئ العسكرية .
الاتفاقية تؤسس لما يشبه “شبكة أمنية مشتركة” بين إثيوبيا وكينيا، تستفيد من نقاط القوة المتكاملة للجيشين:
الجيش الإثيوبي (نحو 140 ألف جندي) يملك خبرة قتالية واسعة من الحروب الداخلية والإقليمية.
الجيش الكيني (نحو 24 ألف جندي) يتمتع بقدرات بحرية متقدمة وخبرة في العمل ضمن بعثات حفظ السلام.
سياق إقليمي معقد
يأتي توقيع الاتفاق في وقت يشهد فيه القرن الأفريقي توترات متعددة، أبرزها:
النزاع الحدودي بين إثيوبيا والصومال بشأن اتفاقية صوماليلاند، والجدل المستمر حول سد النهضة مع مصر والسودان.
توسع النفوذ الدولي في المنطقة، حيث عززت كل من تركيا ومصر علاقاتهما الأمنية مع الصومال مؤخرًا.
في المقابل، تسعى إثيوبيا لتوسيع تحالفاتها، بعد أن وقّعت اتفاقيات تعاون عسكري مع الصين في سبتمبر 2024، والإمارات، مما يشير إلى تحرك دبلوماسي إثيوبي نشط لإعادة رسم خارطة الأمن الإقليمي.
من جانبها، تسعى كينيا إلى تقوية موقفها العسكري واللوجستي، لا سيما في ضوء تعاونها المتزايد مع الولايات المتحدة، واتفاقيات البنية التحتية المشتركة مع إثيوبيا، مثل مشاريع موانئ لامو وبربرة.
أبعاد استراتيجية وأمنية
الاتفاقية إثيوبيا وكينيا تُسهم في دعم جهود الاتحاد الأفريقي الرامية إلى إيجاد حلول أفريقية للتحديات الأمنية، وتُعد توازناً محتملاً أمام محاور إقليمية متنافسة.
ومن المتوقع أن تحظى الاتفاقية إثيوبيا وكينيا بدعم غير مباشر من شركاء غربيين مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ضمن جهود أوسع لمحاربة التطرف العابر للحدود في شرق أفريقيا.
ورغم النمو الاقتصادي النسبي في إثيوبيا (7.2% في 2025)، فإن استمرار الإنفاق الدفاعي وتكاليف هذه الشراكات قد يطرح تحديات تمويلية، لا سيما في ظل الديون الخارجية المتراكمة.
تحديات التنفيذ
ورغم أهمية الاتفاقية، تواجهها بعض التحديات المحتملة، منها التنسيق البيروقراطي بين جيشين ذوي خلفيات تنظيمية مختلفة، ضرورة توفير التمويل الكافي للمناورات المشتركة.
واحتمال اعتراض أو تحفظ من بعض دول الجوار، خاصة الصومال والسودان.
نحو تعاون أمني طويل الأمد
تمثل هذه الاتفاقية خطوة مدروسة نحو تعزيز التعاون الأمني بين إثيوبيا وكينيا، في منطقة تشهد تقلبات سريعة في موازين القوى. نجاحها مرهون بالالتزام المتبادل، والقدرة على بناء ثقة استراتيجية طويلة الأمد، وتحويل الاتفاق من وثيقة إلى تحالف عملياتي فعّال.
“إن التعاون العسكري بين أديس أبابا ونيروبي لن يكون فقط ورقة أمنية، بل حجر أساس في معادلة الاستقرار شرق أفريقيا.”










