،
في الأيام الأخيرة من سبتمبر 2025، مرحلة الإنذار الأحمر وإعلان حالة الطوارئ الموسعة في جميع الولايات المطلة على النيل الأزرق ومجرى النيل، عقب موجة فيضانات هي الأشد منذ سنوات، تعود أسبابها للتدفق المفاجئ الهائل للمياه من سد النهضة الإثيوبي الذي أكمل الملء الرابع بشكل أحادي، مما أطلق تداعيات جسيمة على الأمن المائي والبنية الوطنية والسكّان
.خلفية الأزمة ومشهد الفيضاناتشهدت العاصمة السودانية الخرطوم وعدة مناطق في ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأزرق ارتفاعًا خطيرًا في منسوب النهر، حيث سجّل نهر النيل الأزرق في الخرطوم يوم 26 سبتمبر رقمًا قياسيًا بلغ 16.89 متر، متجاوزًا عتبة الفيضان المعلنة عند 16.50 متر، وسط تحذيرات رسمية للسكان المقيمين بالمناطق المنخفضة على مجرى النهر من احتمالات غرق شديد وصعوبة الإخلاء
أدت زيادة التصريف من سد النهضة إلى ضخ ما يقارب 750 مليون متر مكعب يوميًا خلال ثلاثة أيام متتالية، حسب تقديرات الخبراء، وهي زيادة غير معتادة في هذا التوقيت من السنة، بما أربك موسم الزراعة وأدى إلى إضرار البنية التحتية المحلية وانقطاع خدمات المياه في محطات عديدة
.إعلان الطوارئ وتحذيرات الجهات المختصةردًا على تصاعد الخطر، أطلقت السلطات السودانية سلسلة تحذيرات رسمية للسكان على ضفاف النيل الأزرق من الروصيرص حتى الخرطوم، وصولًا إلى مروي شمالًا. شملت الدعوات حماية الأرواح والممتلكات، والإجلاء الوقائي للمناطق المعرضة للغرق، مع تخصيص فرق إنقاذ وفتح مراكز إيواء للمتضررين
وأكدت الحكومة أن حالة الطوارئ مستمرة لثلاثة أشهر في إطار التعامل مع الفيضانات القاتلة، والتي أظهرت صور الأقمار الصناعية نمو قطاع المياه بشكل غير مسبوق عن المعتاد في هذا الموسم
.وأوضحت وزارة الري السودانية أن توقيت هذه التدفقات يخالف المعتاد، إذ يحتاج السودان لزيادة المياه في يوليو وأغسطس وليس في نهاية سبتمبر، ما أدى إلى خسائر في المحاصيل الزراعية وإضرار شبكات الري والبنية التحتية
.أسباب الكارثة: إدارة إثيوبية متخبطة للسديشير المراقبون وخبراء المياه إلى أن الأساس وراء الأزمة يكمن في تخبط الإدارة الإثيوبية لسد النهضة، حيث استمرت القرارات الأحادية دون تنسيق مع مصر أو السودان، ما أدى إلى عدم قدرة الجانب الإثيوبي على التحكم الكامل في تصريف البحيرة العملاقة
أدى ذلك إلى فتح بوابات التصريف العليا وجريان كمية مياه ضخمة لم يتم التحكم فيها تدريجيًا، مع تعطل توربينات توليد الكهرباء وامتلاء السد للعام الرابع على التوالي
.وتكمن الخطورة الأكبر في غياب التنسيق الفني بين الدول الثلاث، بحيث بات السودان ضحية مباشرة لسوء الإدارة والتحكم في السد الإثيوبي، مع مجازفة بحياة الملايين نتيجة ارتفاع مفاجئ لمستوى المياه يعجز النظام المائي المحلي عن استيعاب
.انعكاسات ميدانية وكوارث إنسانيةتسببت الفيضانات الأخيرة في نزوح آلاف السودانيين، وغرق العديد من المنازل والقرى الزراعية، وخروج محطات مياه الشرب عن الخدمة. كما أدت إلى تعطيل قنوات الري وتوقف البوابات المحلية، وزادت من هشاشة البنية التحتية السودانية التي تفتقر لسدود كبرى توازي حماية السد العالي في مصر، ما جعل السودان الأكثر تضررًا من جراء هذا التصريف القسري
.يستعيد المتابعون ذكريات كارثة سبتمبر 2020 حين تخطى منسوب النيل الأزرق حاجز 17.66 متر، وراح ضحيتها أكثر من 180 شخصًا وتهدم فيها أكثر من 600 منزل وشُرد 120 ألف مواطن بسبب تدفقات ضخمة من سد النهضة آنذاك
وتنبئ تصورات التغير المناخي وأزمات الإدارة بأن البلاد تواجه تحديًا أصعب في السنوات القادمة إذا استمر التشغيل الأحادي للسد.موقف مصر وتقارير فنيةأوضح خبراء مياه مصريون أن مصر محمية بفضل السد العالي القادر على استيعاب هذه الكميات المفاجئة من مياه النيل، بينما تتعرض السودان لخطر أكبر بسبب ضعف بنيتها المائية وعدم وجود سدود ضخمة لحماية المجتمعات المحلية
وأكد هؤلاء أن غياب التنسيق سيظل يمثل “مغامرة غير محسوبة” في استقرار المنطقة وتحقيق الأمن المائي في حوض النيل.آفاق الأزمة والرسالة التحذيريةيرى محللون أن إعلان الطوارئ السوداني بسبب تدفق مياه سد النهضة يجب أن يكون درسًا حاسمًا لكافة الأطراف الدولية، لضبط سياسات إدارة الموارد المائية العابرة للحدود، والتوقف الفوري عن قرارات أحادية غير مدروسة. مع استقرار الوضع الحالي، تظل المخاوف قائمة من تكرار الكارثة في ظل استمرار الأمطار وغياب حلول جذرية لتوزيع المياه بشكل عادل ومعايير الشفافية والتنسيق










