شهد السودان خلال الأيام الماضية موجة فيضانات غير مسبوقة اجتاحت عدة ولايات، وسط حالة من الذعر الشعبي والجدل الواسع بين المختصين حول دور سد النهضة الإثيوبي في تأجيج الكارثة البيئية هذا العام. تضاربت تصريحات المسؤولين المحليين بين اتهام مباشر للنهج الإثيوبي بإفراغ المياه بشكل مفاجئ وبدون تنسيق، وبين أصوات تقلل من الأثر وتحمل العوامل المناخية المسؤولية، بينما سجلت الخسائر المادية والبشرية أرقاماً كارثية لا تزال قابلة للارتفاع مع استمرار ارتفاع منسوب نهر النيل، خاصة بالنيل الأزرق وسنار والخرطوم وشمالي السودان
.عناوين مقترحة لم تُنشر من قبل
أطلقت وزارة الري السودانية “الإنذار الأحمر” في عدة ولايات مطلع الأسبوع بعد أن تجاوزت مناسيب النيل الأزرق حدود الخطر التاريخية (أكثر من 17 متراً في الخرطوم)، وجاءت الذروة بعد فتح إثيوبيا بوابات سد النهضة لتصريف المياه من بحيرته الضخمة، في قرار أحادي جرى دون إبلاغ الخرطوم أو القرى على ضفاف النيل بموعد وسرعة التدفق
. أفاد الخبراء أن خطورة الوضع تكمن في أن الفيضانات جاءت “صناعية” وليست نتيجة التدرج السنوي المعتاد لمياه النيل، فدفعة المياه الهائلة سببت موجات جارفة أغرقت القرى والمدن خلال ساعات.أكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية في القاهرة، أن عمليات الملء والتفريغ استُخدمت بصورة غير مدروسة هندسيًا، إذ ما زالت الأعمال الإنشائية والتوربينات بالسد لم تكتمل، بينما أفرغت إثيوبيا مخزون مياه ضخم فجأة، مفتعلة صدمة على مجرى النيل الأزرق
حجم الكارثة… نزوح وخسائر هائلةغمرت الفيضانات مناطق واسعة من ولايات النيل الأزرق وجنوب الدمازين وسنار والجزيرة والخرطوم. أظهرت الصور والفيديوهات من شوارع شندي والحلفايا وكوبري الدمازين الرايات محلية سنجة، حجم الدمار حيث وصلت المياه إلى مستوى الصدور، وأجبرت آلاف الأسر على مغادرة منازلهم واللجوء إلى مناطق أكثر ارتفاعًا
. واتخذت فرق الهلال الأحمر السوداني وعشرات المبادرات المحلية تدابير طارئة لتوزيع المساعدات وبناء حواجز رملية بجهود بدائية لصد المياه.تُشير التقديرات الأولية إلى نزوح ما يناهز 20,000 شخص بشكل مباشر في النيل الأزرق وحدها، وانهيار مئات المنازل ومدارس ومرافق البنية التحتية
. كما هددت المياه الأراضي الزراعية الاستراتيجية المزروعة بالمانجو والموز والقطن، فيما تظهر الرؤية الأولية أن الخسائر الاقتصادية قد تتجاوز 50 مليون دولار في ولاية واحدة فقط.السد… عنصر اتهام أم عامل تخفيف؟رغم الاتهامات المحلية لإثيوبيا بأن تفريغها للسد وتوقيت الملء لعبا الدور الأخطر في طفرة الفيضان، خرجت أصوات خبراء لتؤكد أن السبب الجذري هو سوء التخطيط العمراني السوداني وغياب الإنذار المبكر والتقنيات العلمية الحديثة، بجانب التغير المناخي والأمطار الاستثنائية التي تجاوزت 150 ملم يومياً في بعض المناطق
. إلا أن معظم الشهادات والتحقيقات المحلية تميل إلى أن الإدارة الأحادية لسد النهضة خلقت بيئة غير آمنة لتدفق مياه النيل، وجعلت السودان عرضة لفيضانات مفاجئة في أي لحظة تتغير فيها سياسات تشغيل السد الإثيوبي
.الرسائل والدروس والتحركات القادمةوسط تصاعد الأزمة، دعت وزارة الري السودانية المواطنين القاطنين بالقرب من النيل وفروعه لأخذ الحيطة وعدم الاقتراب من المناطق المنخفضة. كما طالبت الأوساط العلمية بإعادة النظر في خطط التعاون الإقليمي وتطوير أنظمة الرصد والاستشعار وتفعيل إدارة مخاطر الكوارث؛ فالسودان، الذي فشل في حماية ضفافه نتيجة التوسع العشوائي، أصبح في مواجهة مفتوحة مع التخطيط الإثيوبي والجغرافيا الصعبة والمناخ المتطرف في آن واحد
.وفي ظل استمرار تدفق المياه وارتفاع المناسيب خلال الأيام المقبلة، يواجه السودان اختباراً مصيرياً جديداً: فإما تطوير إدارة الكوارث والتكيف مع متغيرات المياه القادمة من الهضبة الإثيوبية، وإما أن يظل تحت رحمة التصريف أو الظواهر المناخية المفاجئة كل موسم.الفيضانات الأخيرة رسمت لوحة معقدة من التحديات البيئية والسياسية والعلمية أمام السودان، حيث تندمج التكنولوجيا والإهمال وسوء الإدارة في مشهد واحد لمأساة تتكرر بحجم أكبر سنة بعد أخرى. بين الأمل في إنقاذ ما يمكن إنقاذه والخوف من موجات فيضان قادمة، تبقى الحكاية مفتوحة على كل الاحتمالات










