تحولت صورة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد من شخصية إصلاحية نالت جائزة نوبل للسلام عام 2019، إلى زعيم متهم بإدارة صراعات دامية في شمال ووسط البلاد، مع سجل متزايد من الانتهاكات الموثقة وتقويض الحريات، وفق تقارير منظمات حقوقية ووكالات دولية مستقلة. هذا التحول يلخص مسارا سياسيا مضطربا بدأ باتفاق سلام تاريخي مع إريتريا، وانتهى بمشهد معقد تتداخل فيه الصراعات في تيغراي وأمهرة وأوروميا، وسط انتقادات متصاعدة لنهج الحكومة في حقوق الإنسان والفضاء الرقمي.
من أمل الإصلاح إلى جائزة نوبل
عند توليه رئاسة الوزراء في أبريل 2018، قدم آبي أحمد نفسه كرجل إصلاح: أطلق سراح السجناء السياسيين، رفع القيود عن الإعلام، عزز حضور النساء في الحكومة، وفتح قنوات مصالحة داخلية وخارجية. ذروة هذا المسار كانت توقيع اتفاق سلام مع إريتريا بعد 16 عاما من الجمود العسكري والسياسي، وهو ما منحه جائزة نوبل للسلام عام 2019. لكن لجنة الجائزة نفسها حذرت حينها من تحديات التحول الديمقراطي في بلد متنوع ومعقد مثل إثيوبيا.
الانزلاق إلى حرب تيغراي
في نوفمبر 2020 اندلع نزاع تيغراي، أحد أعنف الصراعات في القرن الأفريقي خلال العقد الأخير. تخللته انتهاكات جسيمة شملت القتل الجماعي، العنف الجنسي واسع النطاق، التهجير القسري، ومنع وصول المساعدات الإنسانية.
تقرير مشترك لمنظمتي هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية وصف ما جرى في غرب تيغراي بأنه “حملة تطهير عرقي” شاركت فيها قوات اتحادية، وقوى من إقليم أمهرة، وأحيانا قوات إريترية. كما وثقت منظمات أخرى انتهاكات ارتكبتها قوات تيغراي ضد مدنيين في أمهرة وعفر، ما جعل الحرب سلسلة متبادلة من الجرائم والانتهاكات.
اتفاق بريتوريا: سلام ناقص
في 2 نوفمبر 2022 وقع “اتفاق بريتوريا” بين الحكومة وجبهة تحرير تيغراي، متضمنا التزامات بوقف القتال ونزع السلاح واستعادة الخدمات. الاتفاق أوقف العمليات العسكرية الكبرى لكنه ترك ملفات العدالة والمساءلة والمصالحة دون حلول نهائية، فيما بقيت مناطق عديدة تعيش على وقع التوتر وانعدام الثقة.
انتقال العنف إلى أمهرة
بعد عام واحد فقط من اتفاق بريتوريا، شهد إقليم أمهرة مواجهات بين القوات الحكومية وميليشيا فانو الحليفة السابقة. أعلنت الحكومة حالة الطوارئ التي استمرت خلال 2023–2024 وسط تقارير عن اعتقالات واسعة وانتهاكات بحق المدنيين، بما في ذلك استهداف خدمات الرعاية الصحية. وزارة الخارجية الأمريكية وصفت أمهرة في تقريرها لحقوق الإنسان لعام 2024 بأنها “بؤرة صراع داخلي متواصل”.
أوروميا… تمرد لا ينطفئ
في إقليم أوروميا، فشلت محادثات متكررة بين الحكومة وجيش تحرير أورومو. ورغم إعلان اتفاق جزئي في ديسمبر 2024، استمر العنف في 2024 و2025، ما قوض سلطة الدولة في مناطق واسعة قرب العاصمة. المفاوضات بقيت محدودة التأثير على الأرض، وسط استمرار التمرد وتوسع رقعة العنف.
حرية الإنترنت والفضاء المدني
منذ 2016 وحتى 2024، تصدرت إثيوبيا قائمة الدول الأفريقية في تكرار قطع الإنترنت. تقارير فريدوم هاوس ومنظمات رقمية حقوقية أشارت إلى أن 2024 كان الأسوأ عالميا في حرية الإنترنت، حيث استخدمت السلطات الإغلاقات كأداة لإخماد الاحتجاجات والسيطرة على تدفق المعلومات، ما أضعف الفضاء المدني وكرس نهج الطوارئ.
صورة نوبل الممزقة
في 2022، أصدرت لجنة نوبل بيانا لافتا قالت فيه إن الوضع الإنساني في إثيوبيا “بالغ الخطورة”، مؤكدة أن آبي أحمد “بوصفه حائزا على الجائزة، يتحمل مسؤولية خاصة لإحلال السلام”. هذا التعليق جسد الهوة بين رمز “صانع السلام” في 2019، والواقع الدموي الذي ارتبط باسمه بعد 2020.
آبي أحمد: السيرة والمسار
الميلاد والنشأة: ولد في 15 أغسطس 1976 ببلدة بشاشا، إقليم أوروميا، من أب مسلم أورومي وأم مسيحية أمهراوية.
المسيرة العسكرية والأمنية: خدم في الجيش الإثيوبي، وشارك في تأسيس جهاز الأمن السيبراني (INSA).
الصعود السياسي: شغل منصب وزير العلوم والتكنولوجيا عام 2016، وانتخب رئيسا للوزراء في أبريل 2018.
حزب الازدهار: أسس الحزب في ديسمبر 2019 كخليفة لائتلاف الحكم السابق، ليصبح الحزب الحاكم.
جائزة نوبل: نالها في 2019 “لجهوده في تحقيق السلام والتعاون الدولي”.
حصيلة ودلالات
إجمالا، انتقل مسار آبي أحمد من إصلاحات لامعة وصورة دولية مشرقة إلى إدارة حروب متعددة الجبهات، ما قوض إرث نوبل وترك البلاد في وضع هش. الصراعات الممتدة في تيغراي وأمهرة وأوروميا، إضافة إلى الانتهاكات الموثقة وحالات الطوارئ، أعادت إثيوبيا إلى دائرة الأزمات. مستقبل هذا المشهد يتوقف على قدرة الحكومة وشركائها الدوليين على تحقيق العدالة الانتقالية، نزع سلاح الميليشيات، وضمان الحقوق السياسية والمدنية، بعيدا عن الحلول الأمنية وحدها.










