لم تكن الابتسامات العابرة ومشاهد الهدوء في شرم الشيخ صدفة أو منحة عابرة. كانت ثمرة تضحيات جسيمة وتضافر جهود إقليمية ودولية فرضت نفسها على طاولة التفاوض. الوصول إلى وقف إطلاق النار واقتراب توقيع تفاهمات طال انتظارها لم يكن لحظة عشوائية، بل نتاج بناء على ثماني ركائز أساسية شكلت السياق الذي أجبر الأطراف على التفاهم:
- صمود المقاومة و”ورقة الرهائن”
كانت المواجهة حتى “آخر نفس” من المقاومة القاعدة التي أعادت موازين القوى. وجود رهائن أوشك أن يصبح ورقة ضغط مؤثرة داخليًا في إسرائيل وخارجها، وخلق حالة ضغط مجتمعي سياسية على قيادة الائتلاف الحاكم. إلى جانب ذلك، قدمت المقاومة أداءً تفاوضيًا وصياغيًا اعتبره كثيرون محترفًا وسياسيًا ذكيًا. - ثمن الصمود الباهظ… تضحيات الشعب
دفع الشعب الفلسطيني ثمناً غالياً: قتل، تجويع، وتهجير مهدد. تلك التضحيات لم تكن بلا أثر؛ بل كانت الوقود الذي أجبر العالم على النظر بجدية إلى الواقع والضغط للتوقف عن خط السير الذي كان متهدِّدًا للمجتمعات المدنية. - صحوة الإنسانية… آلاف الأصوات حول العالم
انطلقت تظاهرات واحتجاجات في عواصم متعددة من أشخاص لا تجمعهم إلا الحس الإنساني. هذا الإسناد الشعبي الدولي صنع مناخًا اخلاقيًا وسياسيًا صعب التجاهل، وكان عاملاً مهمًا في منع السقوط في لاإنسانية مطلقة. - الضغط الدولي بـ”فيتو الشعوب”
لم يتحرك المجتمع الدولي بمعزل عن ضغوط شعوبه. حملات مقاطعة، ضغوط دبلوماسية، وارتفاع وتيرة الاعترافات والدعوات السياسية كلها عناصر وضعت الدولة المتورطة تحت حصار دبلوماسي وسمعي لا يمكن تجاهله. - “الفيتو” المصري في وجه التهجير
مثل الرفض المصري الصريح لخطط التهجير سداً مانعًا أمام تنفيذ مخططات تهدف لتفريغ الأرض. هذا الموقف كان حاسمًا في غلق أحد المسارات الأخطر ومنع ارتكاب جريمة جديدة على مستوى التهجير القسري. - “أزمة التحكم” — نتنياهو وترامب
تداخلت الديناميكيات الأمريكية مع السياسة الإسرائيلية. موجات نقد داخلية أمريكية ضد هيمنة نتنياهو على القرار أثّرت على موقف البيت الأبيض، ودفع الانسحاب الجزئي أو الهامشي من كل الضغوط السابقة إلى تسريع مسارات التفاهمات نسبياً. - مطامح “نوبل للسلام” لترامب
لا يمكن استبعاد أن دوافع شخصية وسياسية لجهات خارجية، منها رغبة مكاسب رمزية أو جوائز، لعبت دورًا في دفع جدول الأعمال. الطامح إلى إنجاز دولي قد يسرع إتمام تفاهمات قابلة للعرض الإعلامي والسياسي. - استعادة “دولاب الدولة” المصري
ظهر دور المؤسسات المصرية بحكمة ودبلوماسية اعتمدت على خبرات عميقة. لم يكن الأمر مجرد أداء بروتوكولي، بل تحرك مدروس أعاد تفعيل أدوات وساطة واحتواء كانت غائبة أو مخففة في فترات سابقة.
ماذا بعد؟ توصيات للحفاظ على الزخم وضمان مصداقية التفاهمات
النجاح الحالي خطوة مرحلية، ولا يصلح أن يكون خاتمة. ينبغي المحافظة على الضغوط المتوازنة والمدروسة، مع التركيز على نقطتين أساسيتين:
استمرار الضغط على نقطة “تحكم نتنياهو بترامب” والسياسات التي قد تعيد التحكم الخارجي على قرار التهدئة أو الشروط، عبر تضييق الخيارات السياسية والدبلوماسية على المعرقلين.
تحصين الاتفاقات بضمانات دولية وإقليمية تضمن تطبيق البنود وحماية المدنيين وفتح مسارات واضحة لإعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين.
كمقترح عملي وسياسي طريف ولكنه يحمل بعدًا حسابيًا: قد تختار قيادة المقاومة استحضار “جائزة نوبل” كأداة ضغط رمزية — ليس لإهانة أحد، بل لاستخدام الديناميكيات النفسية والسياسية لصالح استدامة موقف دولي يبعد الضغوط الأحادية. الهدف واضح: الوصول إلى اتفاق عادل يقود لوجود دولة فلسطينية ذات سيادة مع ضمانات دولية لوقف الإجرام والتهجير.
في نهاية المطاف، الشكر لكل من أنقذ المشهد: المواطنون الأحرار حول العالم، المنظمات الحقوقية، الدول صاحبة الموقف الراشد، والمؤسسات التي أعادت العجلة الدبلوماسية إلى مسارها. المهم الآن الاستمرار في الضغط بعقلانية وموضوعية — فالخصم مجرم وقد يراوغ، ولا يكفي التفاهم على الورق إن لم تكن هناك إرادة دولية وإقليمية قوية لفرض التنفيذ وحماية المدنيين.










