بدأ الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي رسميًا اليوم تنفيذ عقوبة السجن لمدة خمس سنوات في سجن «لا سانتيه» بوسط باريس، وذلك بعد سنوات من الجدل والتحقيقات في قضية التمويل غير القانوني لحملته الانتخابية عام 2007 من النظام الليبي السابق بقيادة معمر القذافي
. ويُعد ساركوزي أول رئيس فرنسي يُسجن منذ الحرب العالمية الثانية، في واقعة تهز المشهد السياسي الفرنسي بشدة وتعيد تسليط الضوء على علاقة السياسة بالمال والنفوذ في فرنسا
.خلفية القضية
يعود أصل القضية إلى عام 2011، عندما فُتحت تحقيقات بشأن مزاعم تلقّي حملة ساركوزي الانتخابية تمويلًا غير قانوني من ليبيا. وتوسعت هذه التحقيقات لاحقًا لتشمل شبكة معقدة من الوسطاء والمستشارين الماليين الذين قيل إنهم ساهموا في نقل الأموال، عبر حسابات وشركات واجهة في الخارج
وبعد أكثر من عقد من المرافعات والاستماع للشهود، قضت محكمة باريس في سبتمبر الماضي بإدانة ساركوزي بتهمة «التآمر الجنائي» و«استغلال النفوذ» و«تلقي تمويل أجنبي غير مشروع»
.رغم نفي ساركوزي المستمر للتهم، واعتباره القضية «اضطهادًا سياسيًا» من خصومه اليساريين، فقد قرر القضاء الفرنسي تنفيذ الحكم بشكل فوري دون انتظار نتيجة الاستئناف، بسبب ما وصفه القضاة بـ«الخطورة الاستثنائية للأفعال المرتكبة»
.تفاصيل السجن و«زنزانة
VIP”
نُقل ساركوزي صباح اليوم إلى سجن «لا سانتيه»، أحد أعرق السجون الفرنسية الذي أعيد تجديده مؤخرًا، ويضم جناحًا خاصًا بكبار السجناء أو من يُعتبرون مهددين بسبب مكانتهم العامة
. وحسب تسريبات من مصادر أمنية، سيبدأ الرئيس السابق فترة حبسه في قسم «الوافدين» للخضوع للفحوص الطبية والإدارية الاعتيادية، قبل أن يُنقل إلى قسم «المحصنين»، وهو جناح مخصص لأصحاب الملفات الحساسة
.زنزانة ساركوزي تُوصف بأنها صغيرة ومؤثثة بشكل بسيط، مزوّدة بدش وحاجات أساسية، ولا تُمنح له أي امتيازات استثنائية سوى الحماية الأمنية. ورغم خضوعه للقواعد نفسها مثل باقي السجناء، سيُسمح له باستخدام هاتف مقيّد الاتصال وأيضًا باستقبال زيارتين أسبوعيًا من عائلته ومحاميه
كما يحتفظ بحقه الدستوري في الحراسة الدائمة من الشرطة حتى أثناء فترة سجنه، وهو وضع لم يُسبق لرئيس فرنسي أن وُضع فيه من قبل
.تداعيات سياسية وأصداء شعبيةيثير دخول ساركوزي السجن للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية منذ فيليب بيتان جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية الفرنسية. أنصاره المحافظون يرون القرار «طعنة سياسية» تستهدف تاريخه، بينما يرى معارضوه أن تنفيذ الحكم يعزز استقلال القضاء الفرنسي ويؤكد مبدأ المساواة أمام القانون
.اليمين الفرنسي، بقيادة شخصيات من حزب الجمهوريين، عبّر عن استيائه من الحكم، معتبرين أنه يهدف إلى «إسقاط رمز سياسي لا يزال له نفوذ». أما أوساط اليسار فوصفت تنفيذ العقوبة بأنه «انتصار للديمقراطية»، معتبرة أن «العصر الذي كان السياسيون فيه فوق القانون قد انتهى»
.وفي الشارع الفرنسي، قوبلت صور دخول ساركوزي السجن بتعليقات منقسمة؛ بين من عبّر عن صدمة لرؤية رئيس سابق خلف القضبان، ومن وجد في ذلك لحظة «تاريخية» تثبت صرامة القضاء الفرنسي في مكافحة الفساد السياسي
المسار القانوني المقبل
رغم بدء التنفيذ، لم يُغلق الملف بعد، إذ لا تزال محكمة الاستئناف تنظر في الطعن المقدّم من فريق دفاع ساركوزي. وبحسب القانون الفرنسي، يحق له التقدم بطلب «إفراج مشروط» بعد مرور شهرين على بدء التنفيذ إذا لم يُبتّ في الاستئناف
. وقد أشار محاموه إلى أنهم سيستندون إلى عمره البالغ 70 عامًا وحالته الصحية في طلب التخفيف أو الإقامة الجبرية بدل السجن الكامل
.من ناحية أخرى، أعلنت السلطات القضائية الفرنسية أن تنفيذ الحكم «لا يعني إغلاق الملف السياسي»، إذ ما زالت هناك قضايا فرعية متصلة بالقضية الليبية قد تُعرض لاحقًا تتعلق بعدد من الشخصيات المقربة من ساركوزي
.رمزية المشهد في التاريخ الفرنسي
يشير مراقبون إلى أن لحظة دخول ساركوزي سجن «لا سانتيه» ستكون علامة فارقة في التاريخ الجمهوري الفرنسي، إذ لم يُسجن أي زعيم فرنسي منذ الحرب العالمية الثانية. ويعتبر المؤرخون أن الصورة التي خرجت من أمام السجن، والتي أظهرت سيارات الشرطة تحيط بموكب الرئيس الأسبق، تشكل «نهاية فصل من تاريخ الزعامة السياسية الفرنسية»
.ومع أن ساركوزي لا يزال يتمتّع بشعبية لدى جزء من قواعد الحزب اليميني، إلا أن حبسه يضع حداً فعلياً لأي أمل في عودته السياسية المستقبلية، كما يعمّق أزمة الثقة بين المواطنين والنخبة السياسية التي لطالما اتهمت بالفساد والتورط في المال الانتخابي
.وفي ختام ذلك، يمكن القول إن دخول ساركوزي السجن اليوم ليس مجرد حدث قضائي، بل منعطف سياسي وتاريخي يكشف حجم التحول في معايير المحاسبة بفرنسا، ويؤسس لمرحلة جديدة من الرقابة الصارمة على السلطة، مهما كانت مرتبتها أو رموزها










