في وقتٍ يتصاعد فيه التوتر بين الغرب وبكين، يبدو أن إيطاليا اختارت أن تسلك طريقًا مغايرًا: طريق المصالح الاقتصادية أولًا، والسياسة لاحقًا.
فمن قلب بورصة ميلانو، تستعد المدينة الإيطالية العريقة لاستضافة حدثٍ ضخم تنظمه هيئة تنمية التجارة في هونغ كونغ (HKTDC) يوم 27 نوفمبر المقبل تحت شعار “فكّر في الأعمال، فكّر في هونغ كونغ”، في إشارة صريحة إلى أن المال لا يعرف حدودًا ولا عقوبات.
“هونغ كونغ هي الجسر”.. شعار بريقه يخفي الكثير
الحدث الذي يحظى بدعم واسع من دوائر المال الإيطالية، يُروَّج له على أنه فرصة ذهبية للشركات الإيطالية لدخول السوق الصينية الضخمة عبر بوابة هونغ كونغ، دون الاصطدام بتعقيدات السوق القارية في بكين أو القيود الأوروبية المفروضة على الاستثمار مع الصين.
لكن خلف هذا الخطاب الاقتصادي البراق، يرى محللون أوروبيون أن روما تخاطر بالسير على حبلٍ دبلوماسي مشدود، بين ولائها للاتحاد الأوروبي وحرصها على فتح نوافذ تجارية مع الشرق.
بورصة ميلانو.. المسرح الذي يُدار فيه صراع المصالح
اختيار قصر ميزّانونتي، مقر بورصة ميلانو، ليس صدفة. إنه رسالة رمزية بأن رأس المال هو اللاعب الأقوى في المشهد الإيطالي، وأن السياسة يمكنها الانتظار طالما العائد التجاري مضمون.
في هذا المكان بالذات، سيجتمع ممثلو مئات الشركات الإيطالية مع وفد اقتصادي من هونغ كونغ ومسؤولين من الصين، في مشهدٍ يعكس بوضوح أن الاقتصاد بات الجسر السياسي الجديد بين روما وبكين.
العلاقات الاقتصادية بين إيطاليا وهونغ كونغ
العلاقات التجارية بين الطرفين ليست جديدة، بل تعود إلى عقود، وتشهد في السنوات الأخيرة نموًا مطردًا: إيطاليا هي رابع أكبر شريك تجاري لهونغ كونغ داخل الاتحاد الأوروبي ، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين أكثر من 8 مليارات دولار في عام 2024. كما تستفيد الشركات الإيطالية من النظام الضريبي المرن والبنية القانونية المستقرة في هونغ كونغ لتأسيس مراكزها الإقليمية هناك.
وفي المقابل، تعتبر الشركات الهونغ كونغية السوق الإيطالية مركزًا للإبداع والتصميم والتكنولوجيا المتقدمة
الأرقام لا تكذب.. لكنها لا تقول كل الحقيقة
تُظهر البيانات أن اقتصاد هونغ كونغ تعافى بقوة عام 2025، مسجلًا نموًا بنسبة 3.1% وارتفاعًا في الصادرات بلغ 10.9%.
أما إيطاليا، فتمتلك اليوم أكثر من 300 شركة عاملة في هونغ كونغ، تتوزع بين قطاعات الأزياء، والتكنولوجيا، والمجوهرات، والتصميم.
لكن هذه الأرقام، كما يقول الخبراء، لا تعكس “الثمن السياسي” لمثل هذا التقارب، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية والأوروبية المتزايدة لتقييد النفوذ الصيني في أوروبا.
بين بكين وبروكسل.. إيطاليا تمسك العصا من المنتصف
منذ انسحابها من مبادرة “الحزام والطريق”، تحاول إيطاليا إعادة رسم علاقتها مع الصين بطريقة “اقتصادية أكثر من سياسية”.
والرهان الجديد هو هونغ كونغ: منطقة تقول روما إنها “تمنح حرية الأعمال”، بينما تراها واشنطن “بوابة خلفية لبكين داخل أوروبا”.
الاقتصاد قبل السياسة.. شعار أم مغامرة؟
يبدو أن إيطاليا تراهن اليوم على معادلة صعبة: أن تربح من الصين دون أن تغضب الغرب.
وهو رهان محفوف بالمخاطر، خاصة في ظل التوتر المتصاعد في بحر الصين الجنوبي والعقوبات التكنولوجية بين بكين وواشنطن.
فبينما تسعى بروكسل إلى فك الارتباط الاقتصادي مع الصين تدريجيًا، تختار ميلانو أن تفتح أبواب بورصتها لهونغ كونغ، معلنةً بوضوح أن “المال لا يعترف بالتحالفات”.










