تشريع جديد يطيح بمكتسبات المرأة العراقية ويمنح الرجال سلطة مطلقة في الزواج والطلاق وحضانة الأطفال… ومنظمات حقوقية تحذر: العراق يسير نحو “ذكورية مقننة” تهدد مستقبل الأجيال.
فى بلد أنهكته الحروب والانقسامات، يبدو أن معركة النساء في العراق لم تعد فقط مع العنف أو الفقر، بل مع قوانين تُكتب ضدهن بأيدي مشرّعين يفترض أنهم يمثلون الشعب.
ففي 27 أغسطس 2025، صوّت البرلمان العراقي على ما يُعرف بـ“قانون الأحوال الشخصية الجعفري”، وهو تشريع يثبّت تفوق الرجل قانونيًا في كل ما يتعلق بالزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال — لتتحول المرأة رسميًا إلى “مواطنة من الدرجة الثانية”.
قانون يضرب مكتسبات المرأة العراقية
النسخة الجديدة من القانون، التي صاغتها السلطات الدينية الشيعية بعد تعديل قانون الأحوال الشخصية في فبراير الماضي، تمنح الرجل اليد العليا في كل شيء:
يستطيع أن يغيّر النظام القانوني لعقد الزواج دون علم زوجته، أن يطلّقها دون موافقتها، وأن ينتزع حضانة الأطفال بعد سن السابعة بغض النظر عن مصلحتهم النفسية أو الأسرية.
تقول سارة سنبار، الباحثة في شؤون العراق لدى منظمة هيومن رايتس ووتش:
“القانون الجديد يُؤسس لتبعية النساء بشكل رسمي، ويحوّلهن إلى تابعين قانونيين للرجال. إنه انتكاسة تاريخية لحقوق المرأة في العراق، ويجب إلغاؤه فورًا.”
البرلمان يشرّع الذكورية باسم الدين
المفارقة أن القانون أتى بعد عقود من نضال النساء العراقيات ضد السلطة الأبوية، التي تلبس في كل مرة ثوبًا جديدًا.
فعندما حاول البرلمان في 2024 تمرير تعديل يسمح بزواج الفتيات من سن تسع سنوات فقط، اندلعت موجة غضب شعبي واسعة أجبرت المشرّعين على التراجع عن هذه الفقرة.
لكنهم عادوا اليوم — في ثوب أكثر “قانونية” — لتفريغ الحقوق النسائية من مضمونها عبر هذا التشريع الجديد الذي يمنح الأزواج صلاحيات مطلقة.
تقول نادية محمود، المؤسسة المشاركة لتحالف أمان للنساء:
“القانون ليس مجرد نص ديني، بل بيان سياسي يعبّر عن رؤية الأحزاب الإسلامية لمكانة المرأة. فهم لا يرونها ندًّا للرجل، بل وسيلة لتلبية رغباته وضمان سيطرته داخل الأسرة.”
الضحية التي صارت جانية: قصة “غزال” نموذجًا
وراء النصوص الباردة، تختبئ مآسٍ حقيقية.
منها قصة غزال ح.، التي بعد عشر سنوات من طلاقها، تلقت استدعاءً قضائيًا يفيد بأن زوجها السابق قرر إعادة تطبيق القانون الجعفري بأثر رجعي على زواجهما القديم، لينتزع منها حضانة ابنها البالغ عشر سنوات — دون علمها أو موافقتها.
غزال، التي عاشت سنوات من العنف الجسدي والابتزاز المالي، تقول لـهيومن رايتس ووتش:
“كيف يمكن لرجل أُدين في قضية عنف أسري أن يُمنح حضانة طفل؟ كيف يسمح القانون بذلك؟ إنه استغلال فجّ للثغرات القانونية ضد النساء.”
القضية لم تتوقف عند هذا الحد.
ففي عام 2015، وبعد أن رفعَت غزال دعوى عنف أسري ضد زوجها، حكمت المحكمة بإدانته، لكنها في الوقت نفسه عاقبتها بتقليل مؤخر صداقها إلى النصف، بحجة أنها “ألحقت الأذى بزوجها” لأنها لجأت إلى القضاء!
تشريعات تُبيح العنف باسم “العُرف”
ورغم أن الدستور العراقي يحظر صراحة العنف الأسري، فإن التطبيق العملي يقول العكس.
فالمادة 41 من قانون العقوبات العراقي ما زالت تمنح الرجل حق “تأديب زوجته”، وتمنح الوالدين حق “تأديب أبنائهما وفق القانون أو العرف”.
بل إن القانون يُخفف العقوبات على القتلة في جرائم “الشرف” أو من يضبط زوجته في علاقة خارج الزواج، ما يجعل القتل والعنف مبررين أخلاقيًا وقانونيًا في آن واحد.
المرأة العراقية بين المطرقة والسندان
بهذا القانون، تتحول المرأة العراقية إلى رهينة بين مؤسستين:
• سلطة دينية ترى في المساواة تهديدًا “للقوامة”.
• وسلطة سياسية تستخدم الدين لتغطية فشلها في الإصلاح والعدالة الاجتماعية.
يقول مراقبون إن تشريعات كهذه تغذي الانقسام الطائفي وتعيد إنتاج الاضطهاد بشكل “قانوني”، خصوصًا في ظل غياب قانون لمكافحة العنف الأسري على مستوى العراق (باستثناء إقليم كردستان).
تحذير من جيل قادم مشوّه اجتماعيًا
تحذّر هيومن رايتس ووتش من أن استمرار العمل بالقانون الجعفري سيخلق أزمات اجتماعية مزمنة تمتد لأجيال.
فالتمييز القانوني ضد المرأة لا يُضعفها فحسب، بل يضرب بنية المجتمع ذاته: الأسرة، التعليم، والاقتصاد.
“ما يحدث اليوم في بغداد ليس مجرد نقاش فقهي، بل تراجع خطير عن مفهوم الدولة المدنية وحقوق الإنسان،” كما تقول سنبار.
“إذا لم يُلغَ القانون، فالعراق يسير نحو شرعنة نظام طبقي قائم على الجنس، يكرّس القهر باسم الدين.”










