وسط دمار واسع في شمال قطاع غزة جراء العمليات البرية والجوية الإسرائيلية، أكدت حركة حماس أمس الجمعة التزامها بوقف إطلاق النار مع إسرائيل، بما في ذلك تسليم رفات جميع الرهائن الإسرائيليين القتلى. وجاء هذا التأكيد بعد تحذير شديد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه سيمنح الضوء الأخضر لإسرائيل لاستئناف العمليات العسكرية إذا لم تلتزم حماس ببنود الصفقة وأعادت جميع جثث الرهائن.
وأكدت حماس أن بعض الجثث دُفنت في أنفاق دُمرت لاحقًا، وأن استخراجها يتطلب معدات ثقيلة، كما انتقدت دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لقطع المساعدات عن غزة، واصفة إياها بمحاولة استغلال الاحتياجات الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية.
وشددت الحركة في بيانها على ضرورة زيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وفتح معبر رفح مع مصر، والبدء بإعادة الإعمار الفوري للمنازل والمستشفيات والمدارس. كما طالبت بإنشاء لجنة مستقلة لإدارة شؤون غزة، واستمرار انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المتفق عليها
خطة وقف إطلاق النار
كانت خطة وقف إطلاق النار التي قدمها ترامب تنص على تسليم جميع الرهائن – الأحياء منهم والقتلى – قبل الموعد النهائي الذي انتهى يوم الاثنين. وبموجب الاتفاق، إذا لم يحدث ذلك، كان من المفترض أن تقدم حماس معلومات عن الرهائن القتلى وتسعى لتسليمهم في أقرب وقت ممكن.
وأكد نتنياهو أن إسرائيل “لن تتنازل”، مطالبًا حماس بالوفاء بالشروط المتعلقة بإعادة جثث الرهائن.
عوائق أمام استرجاع الجثث
أكدت حماس للولايات المتحدة عبر الوسطاء أنها تعمل على إعادة جثث الرهائن القتلى، إلا أن هناك صعوبات في استرجاع جثث الرهائن نتيجة حجم الدمار، ووجود ذخائر غير منفجرة، وسيطرة القوات الإسرائيلية على بعض المواقع ،وأكدت حماس أن بعض الجثث دُفنت في أنفاق دُمرت لاحقًا من قبل إسرائيل، وأن الأمر يتطلب معدات ثقيلة لاستخراجها من تحت الأنقاض.
وأشارت تقارير فلسطينية إلى أن بعض الجثث أظهرت علامات سوء معاملة، فيما تشير وزارة الصحة التابعة لحكومة حماس إلى وفاة نحو 68 ألف فلسطيني، مع وجود آلاف آخرين في عداد المفقودين
وفي يوم الأربعاء، استلمت إسرائيل رفات رهينتين إضافيتين بعد أن أعلنت قواتها العسكرية أن إحدى الجثث الثمانية التي سُلّمت سابقًا لم تكن لرَهينة. وما زالت إسرائيل تنتظر إعادة رفات 28 رهينة.
أطلقت حماس جميع 20 رهينة إسرائيليًا أحياءً يوم الاثنين، مقابل الإفراج عن نحو 2000 أسير ومعتقل فلسطيني من قبل إسرائيل. كما أعادت إسرائيل إلى غزة جثث 90 فلسطينيًا للدفن، ومن المتوقع أن تسلم المزيد من الجثث، دون تحديد العدد أو تبين ما إذا كانت تخص فلسطينيين توفوا أثناء الاحتجاز الإسرائيلي أو تم انتزاعهم من غزة.
حصيلة القتلى والنازحين
قتل نحو 68 ألف فلسطيني بحسب وزارة الصحة التابعة لحكومة حماس في غزة، التي تحتفظ بسجلات دقيقة للضحايا تُعتبر موثوقة نسبيًا لدى الأمم المتحدة والخبراء المستقلين. ويُفقد أثر آلاف آخرين، بحسب الصليب الأحمر والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
فرنسا تدرس قوة دولية لغزة
قالت فرنسا إنها تعمل مع “شركائها البريطانيين والأمريكيين” على اقتراح قرار أممي خلال الأيام المقبلة لتوفير إطار للقوة الدولية في غزة. وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو أن الدول العربية “تصر بشدة” على أن يكون لهذه القوة تفويض من الأمم المتحدة.
وأضاف أن القرار سيتيح إطارًا لنشر هذه القوة لدعم القوات الفلسطينية التي تقيّم احتياجاتها وقدراتها، دون تحديد دور فرنسا أو الدول المشاركة بالتفصيل. وشدد على أن جهود المساعدات وإعادة الإعمار والأمن يجب أن تتركز ضمن إطار الأمم المتحدة.
القتل في غزة يثير التوتر
وُضعت حماس أيضًا في موقف دفاعي بعد تحذير ترامب من أنه “لن يكون أمامنا خيار سوى التدخل وقتلهم” إذا لم تتوقف الحركة عن قتل الفصائل المنافسة داخل غزة. وأوضح أن العقوبة لن تنفذها القوات الأمريكية مباشرة، بل “أشخاص قريبون جدًا سينفذونها بسهولة تحت إشرافنا”.
دافع مسؤول حماس في لبنان، أحمد عبد الهادي، عن قتل أفراد يُزعم انتماؤهم لعصابات منذ يوم الاثنين، موضحًا أنهم تسببوا بـ”القتل والفساد في غزة وقتلوا نازحين وطالبي مساعدات”، مشيرًا إلى أن القرار جاء عن “إجماع وطني وعشائري فلسطيني”.
انتظار ضخ كبير للمساعدات
أعلنت الأمم المتحدة أن تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة ما زال محدودًا بسبب استمرار إغلاق المعابر وقيود على منظمات الإغاثة. ووفق لوحة متابعة تحركات الشاحنات التابعة للأمم المتحدة، دخل 339 شاحنة فقط غزة منذ بداية وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر، بينما كان الاتفاق يسمح بدخول 600 شاحنة يوميًا.
وأشار المسؤول الأممي توم فليتشر إلى أن نجاح خطة الأمم المتحدة لتوصيل المساعدات لمدة 60 يومًا يتطلب وصولًا سريعًا وغير معرقل للمواد، وتوفير الوقود، وإعادة البنية التحتية، وحماية العاملين في المجال الإنساني، وتأمين التمويل الكافي.
حتى الآن، فقط 15 منظمة إنسانية مصرح لها من قبل إسرائيل بتقديم المساعدات في غزة. وأفاد اتحاد سائقي الشاحنات الفلسطيني أن هناك تأخرًا في وصول الإمدادات رغم تحسن الوضع الأمني الذي منع النهب أو اعتراض القوافل.
وقالت ناهد شيهيبر، رئيسة اتحاد سائقي الشاحنات الخاص في غزة: “لا يوجد اختراق حقيقي، ولا تحسن سوى في أمن الشاحنات الذي يتيح وصولها إلى المخازن”. وأضافت أن وقت انتظار فحص الشاحنات والتنسيق ما زال طويلاً.
منذ بدء وقف إطلاق النار، أعادت تسع منظمات إنسانية على الأقل تدريجيًا تقديم خدماتها في مدينة غزة وأجزاء من شمال القطاع للأسر النازحة والعائدين، وفق تقرير الشؤون الإنسانية الصادر عن الأمم المتحدة يوم الخميس.
مع استمرار التحديات الميدانية والإنسانية، يبقى قطاع غزة مسرحًا لتقلبات وقف إطلاق النار الهش، حيث تتداخل جهود حماس وإسرائيل والدبلوماسية الدولية مع الحاجة الملحة لتقديم المساعدات وإعادة الإعمار. وبينما ينتظر السكان عودة جميع جثث الرهائن وتسريع فتح المعابر، يظل التساؤل قائمًا حول مدى قدرة الأطراف على تحويل هذه الهدنة الهشة إلى سلام مستدام يخفف من معاناة المدنيين ويعيد الحياة الطبيعية إلى القطاع المنهك










