في قلب الجدل الأمريكي حول إسرائيل، يشتعل صراع قديم يتجدد اليوم بوتيرة غير مسبوقة بين اليهود الأمريكيين أنفسهم — صراع تتداخل فيه الهوية بالدين، والسياسة بالأخلاق، والولاء الوطني بالانتماء التاريخي. فبين من يرى في إسرائيل “الوطن الروحي” لليهودية، ومن يعتبرها عبئاً أخلاقياً وسياسياً يهدد قيم الديمقراطية الأمريكية، تمتد جذور هذا الانقسام العميق إلى أكثر من قرن من الزمن، منذ لحظة رفض الصهيونية وحتى تبنّيها كركيزة للهوية اليهودية الحديثة. هذه ليست مجرد خلافات فكرية، بل مرآة لصراع وجودي على معنى الانتماء والولاء في زمن تتغير فيه خرائط القوة والضمير
تحول جذري في المواقف بعد الحرب العالمية الثانية وقيام الدولة العبرية
في مشهد يبدو مألوفاً اليوم، حيث تتزايد الانقسامات بين اليهود الأمريكيين حول سياسات إسرائيل، يكشف بحث تاريخي أن جذور هذا الصراع تعود إلى عقود طويلة، بل وإلى ما قبل قيام الدولة العبرية نفسها.
من معارضة الصهيونية إلى تبنيها
قبل الحرب العالمية الثانية، كانت المنظمات اليهودية الأمريكية البارزة تعارض فكرة الصهيونية السياسية.
ففي عام 1898، أعلنت حركة الإصلاح اليهودية في أمريكا معارضتها “الثابتة” للصهيونية، مؤكدة أن “اليهود ليسوا أمة، بل جماعة دينية”.
وحتى ثلاثينيات القرن الماضي، ظلت اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC) — التي مثلت النخبة اليهودية الأكثر اندماجاً في المجتمع الأمريكي — ترفض إنشاء أي منظمة يهودية دولية خشية أن يوحي ذلك بولاء اليهود بعضهم لبعض فوق ولائهم للدولة الأمريكية.
محطات التحول الكبرى
شهدت فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها تحولاً جذرياً في الموقف اليهودي الأمريكي.
ففي عام 1942، تجمعت عدة منظمات للمطالبة بإقامة “كومنولث يهودي” في فلسطين بعد الحرب، متحدية بذلك معارضة اللجنة اليهودية الأمريكية والمجلس الأمريكي لليهودية المناهض للصهيونية.
وبعد إعلان قيام إسرائيل عام 1948، الذي استقبله يهود أمريكا كحدث ملحمي، تقلصت معاداة الصهيونية كموقف سياسي إلى حد كبير، وانقلبت موازين الولاء تماماً.
الأصوات المعارضة التي أُسكتت
من بين القلة التي واجهت هذا التيار، برز الصحفي ويليام زوكرمان، الذي وصف نفسه بأنه “موالي لإسرائيل لكنه مناهض للقومية”.
انتقد ما أسماه “موجة القومية المسيانية التي أطلقتها محرقة هتلر بين اليهود الأمريكيين”، وحذر من أن إسرائيل حولت اليهود إلى “غزاة”، وأن لا مبالاتهم بمحنة اللاجئين العرب تخون تقاليد اليهودية في التعاطف مع المظلومين.
لكن مواقفه دفعت ثمناً باهظاً.
فقد وُصف بأنه “يهودي يكره نفسه” و”معادٍ للسامية”، وكشفت أبحاث حديثة أن الدبلوماسيين الإسرائيليين شنوا حملة خلف الكواليس ضده، ما أدى إلى إسقاط مقالاته من الصحف اليهودية في النهاية.
صراع على النفوذ والهوية
شهدت الخمسينيات صراعاً خفياً على النفوذ بين قادة المجتمع اليهودي الأمريكي من جهة، والدولة الإسرائيلية الناشئة من جهة أخرى.
ففي عام 1950، كان عدد اليهود في الولايات المتحدة أربعة أضعاف عددهم في إسرائيل، وكان في نيويورك وحدها ضعف عددهم في الدولة العبرية.
ورأى دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، أن الشتات اليهودي محكوم عليه بالزوال، وأن إسرائيل هي المركز الوحيد الحقيقي للحياة اليهودية — ما شكّل تحدياً مباشراً لمكانة اليهود الأمريكيين وولائهم الوطني.

إرث تاريخي لا يزال حياً
هذه التوترات التاريخية لا تزال تشكل النقاش الدائر داخل المجتمع اليهودي الأمريكي حول إسرائيل حتى اليوم.
فالمعركة بين الولاء للهوية اليهودية والالتزام بالقيم الديمقراطية الأمريكية، وبين الدعم غير المشروط لإسرائيل والانتقاد المشروط لسياساتها، هي استمرار لنقاش بدأ قبل أكثر من سبعين عاماً.
إن الانقسام الحالي ليس ظاهرة جديدة، بل فصل حديث في قصة أعمق: صراع حول معنى أن تكون يهودياً في الشتات، وحول من يملك الحق في تعريف “الولاء” و”الخيانة”.
تحول اللجنة اليهودية الأمريكية: من الحذر إلى الدعم غير المشروط
شهدت اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC) تحولاً جذرياً في موقفها من الصهيونية.
فبعد أن كانت تُعرّف نفسها بأنها “غير صهيونية”، أصبحت واحدة من أبرز المدافعين عن إسرائيل في الولايات المتحدة.
التحول الاستراتيجي
في أوائل الخمسينيات، سعى جاكوب بلوستين، رئيس اللجنة، إلى وضع حدود واضحة مع القيادة الإسرائيلية.
وفي بيان مشترك مع بن غوريون عام 1950، اعترف الأخير بأن:
• يهود أمريكا ليس لديهم سوى وطن واحد هو الولايات المتحدة
• إسرائيل لا تطالب بولائهم السياسي
• يهود أمريكا يتحكمون في جمع التبرعات والأنشطة الخاصة بدعم إسرائيل
لكن اللجنة اشتكت لاحقاً من أن إسرائيل لم تلتزم بالاتفاق، إذ واصل بن غوريون الحديث عن “أمة يهودية عالمية”، ما أثار مخاوف من تهمة “الولاء المزدوج”.
حرب 1967: نقطة التحول الحاسمة
شكّلت حرب 1967 منعطفاً تاريخياً في علاقة اليهود الأمريكيين بإسرائيل.
فقد أدى الانتصار الإسرائيلي السريع إلى:
• مشاعر فخر وانتماء قوية بين يهود أمريكا
• تحول إسرائيل إلى رمز للقوة والمرونة اليهودية
• دعم مالي وسياسي غير مسبوق من الجالية اليهودية الأمريكية
في هذا السياق، صعدت منظمات مثل AIPAC لتصبح أذرع ضغط قوية، وتحول الدفاع عن إسرائيل إلى جزء من الهوية اليهودية الأمريكية السائدة.
المعارضة الداخلية وصوت الضمير الجديد
مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، بدأ تيار معارض يظهر بين اليهود الأمريكيين، خصوصاً بين الشباب والليبراليين والأكاديميين ونشطاء حقوق الإنسان.
تشكلت مجموعات مثل:
• أصدقاء السلام الآن (Peace Now) — داعمة لحل الدولتين
• يهود من أجل عدالة في فلسطين — أكثر انتقاداً للصهيونية
في المقابل، ردت المنظمات اليهودية التقليدية بتكثيف جهودها لتشويه المعارضين، مستخدمة تهمة “معاداة السامية” لإسكات الانتقادات.
هذه الاستراتيجية — التي بدأت مع زوكرمان في الخمسينيات — أصبحت اليوم أداة رئيسية في مواجهة كل من يشكك في سياسات إسرائيل.
الانقسام المعاصر
اليوم يتجسد هذا الانقسام التاريخي بوضوح:
• التيار المحافظ والصهيوني الديني: لا يزال متمسكاً بدعم قوي وغير نقدي لإسرائيل.
• اليهود الليبراليون والشباب: يعبّرون عن قلق متزايد من الاحتلال ومن انحراف إسرائيل عن القيم الليبرالية.
خاتمة
إن الصراع الحالي داخل المجتمع اليهودي الأمريكي حول إسرائيل ليس سوى فصل جديد من قصة بدأت قبل أكثر من سبعة عقود.
إنه صراع على:
• معنى اليهودية في العصر الحديث
• العلاقة بين الهوية الدينية والديمقراطية
• حدود النقد المسموح به
• مستقبل العلاقة بين أكبر جالية يهودية في العالم والدولة التي تدّعي تمثيلها
هذا التاريخ الطويل من النقاش يثبت أن الانقسام ليس طارئًا، بل متجذر في تجربة يهود أمريكا مع إسرائيل منذ البداية — صراع بين الأخلاق والقومية، بين الذاكرة والسياسة، وبين الولاء والهوية










