بوتين: روسيا لن تنحني للولايات المتحدة لكن العقوبات قد تسبب “بعض الخسائر”
الصين والهند قد تقلصان وارداتهما من النفط الروسي في ظل سعي ترامب لإنهاء الحرب في أوكرانيا
أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا لن تخضع أبدًا للضغط الأمريكي، لكنه أقر بأن العقوبات الجديدة قد تسبب بعض الألم الاقتصادي، في الوقت الذي أفادت فيه تقارير بأن الصين والهند قلصتا وارداتهما من النفط الروسي بعد أن استهدفت واشنطن أكبر منتجين نفطيين في موسكو.
في يوم الأربعاء، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركتي “روسنفت” و”لوك أويل”، بالإضافة إلى نحو ثلاثة وثلاثين شركة فرعية لهما، في خطوة من إدارة ترامب لزيادة الضغط على الكرملين للتفاوض على إنهاء الحرب في أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، وافق الاتحاد الأوروبي على حظر تدريجي لاستيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي.
تمثل هذه الإجراءات، التي تستهدف نحو نصف صادرات النفط الروسية، أول عقوبات أمريكية على موسكو منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير، وتهدف إلى قطع الإيرادات النفطية الحيوية التي تموّل آلة الحرب الروسية.
وقد أدت العقوبات إلى زيادة أسعار النفط العالمية بنسبة 5%، فيما تأمل واشنطن أن تضغط هذه الإجراءات على بوتين للعودة إلى طاولة المفاوضات من خلال استهداف الموارد الاقتصادية الأساسية لروسيا.
ووصف بوتين العقوبات الأمريكية بأنها “عمل غير ودي لا يعزز العلاقات الروسية-الأمريكية” و”محاولة للضغط على روسيا”، واصفًا إياها بأنها بلا جدوى. وقال: “لا دولة تحترم نفسها تفعل شيئًا تحت الضغط”. وأوضح أن العقوبات لن يكون لها تأثير كبير على روسيا، لكنه أقر بأن “بعض الخسائر متوقعة”.
وحث بوتين ترامب على التفكير في “لمن تعمل إدارته حقًا” عندما يحث مستشاروه على فرض عقوبات على النفط الروسي، وحذر من أن العقوبات ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار. كما حذر من رد “قوي جدًا، إن لم يكن ساحقًا” إذا تعرضت روسيا لهجوم باستخدام صواريخ “توماهوك” الأمريكية التي تسعى أوكرانيا للحصول عليها دون جدوى من واشنطن.
العقوبات الأمريكية الأخيرة تمنع الدول والشركات الأجنبية من التعامل مع كبار منتجي النفط الروس وتقطعهم عن جزء كبير من النظام المالي الدولي. وأظهرت مؤشرات مبكرة أن أكبر مستهلكي الطاقة الروسيين بدأوا بتعليق وارداتهم ردًا على العقوبات الجديدة.
ألمحت شركة “ريلاينس إندستريز”، أكبر مشتري للنفط الروسي في الهند، إلى أنها قد تقلص أو توقف مؤقتًا عمليات الشراء، قائلة: “إعادة ضبط واردات النفط الروسي جارية، وستتوافق ريلاينس تمامًا مع توجيهات الحكومة الهندية”.
كما أفادت مصادر متعددة بأن شركات النفط الصينية المملوكة للدولة أوقفت شراء النفط الروسي البحري على الأقل على المدى القصير، خشية مخالفة العقوبات الجديدة.
يمثل قطاع النفط والغاز نحو خمس الناتج المحلي الإجمالي الروسي، ومن شأن انخفاض مفاجئ في الطلب من روسيا من قبل أكبر مشترييها أن يشكل ضربة قوية لإيرادات الكرملين النفطية، بينما سيدفع بأسعار النفط العالمية للارتفاع.
حتى الآن، تجاهلت الصين، أقرب حليف لروسيا، والهند، التي سعت للبقاء محايدة في الحرب الأوكرانية، ضغوط الغرب لتقليص مشترياتهما من الطاقة الروسية، حيث يعني الالتزام بالعقوبات التخلي عن النفط الروسي منخفض السعر الذي ساعد على حماية اقتصاديهما من ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية.
أتى إعلان ترامب المفاجئ وسط تزايد الإحباط في واشنطن من الحرب في أوكرانيا، والتي بلغت ذروتها بإلغاء قمة كانت مقررة في بودابست. وردًا على سؤال عن القمة، قال بوتين: “من المرجح تأجيل الاجتماع”، مضيفًا أن عقده دون تحضير مناسب سيكون خطأً. وأكد أنه يظل منفتحًا على الحوار مع ترامب، قائلاً: “الحوار دائمًا أفضل من الحرب”.
لكن مسؤولين روسًا آخرين اتخذوا خطابًا أكثر حدة، إذ وصف دميتري ميدفيديف، الرئيس الروسي السابق وكبير المسؤولين الأمنيين، العقوبات بأنها “عمل عدائي”. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي: “الولايات المتحدة هي عدوّنا، وصانع السلام الثرثار قد بدأ رسميًا طريق الحرب ضد روسيا”.
واعترف بعض الخبراء المرتبطين بالكرملين بأن الإجراءات الأمريكية قد تضر الاقتصاد الروسي. قال إيغور يوشكوف، مختص في الطاقة بجامعة المالية الحكومية الروسية، إن العقوبات على “روسنفت” و”لوك أويل” ستجعل العملاء الآسيويين مترددين في شراء النفط مباشرة، مما سيجبر الشركات على الاعتماد على سلاسل أطول من الوسطاء لتأجير الناقلات وبيع النفط، وهو ما سيرفع التكاليف.
يعتمد تأثير العقوبات إلى حد كبير على مدى صرامة تطبيقها، لا سيما فيما إذا كانت واشنطن مستعدة لفرض عقوبات ثانوية على الدول التي تواصل التعامل مع شركات النفط الروسية.
لدى روسيا شهر كامل للتحضير قبل أن تدخل القيود حيز التنفيذ بالكامل، ومن المرجح أن تستخدم هذا الوقت للتكيف مع الوضع الجديد. وقد وجدت موسكو دائمًا طرقًا للتحايل على العقوبات الغربية من خلال شبكات تجارة معقدة وأساطيل “ظل” تعمل عبر شركات وهمية وأعلام غامضة.
اعتمدت هذه الشبكة، التي تستخدم سفنًا قديمة ترفع أعلامًا غامضة وتدار عبر شركات وهمية في الشرق الأوسط وآسيا، على استمرار روسيا في تصدير النفط للعملاء الرئيسيين في الهند والصين، على الرغم من سقف الأسعار الذي فرضته مجموعة السبع والحظر الأوروبي.
وأكد بعض المسؤولين في موسكو أن روسيا ستتكيف مجددًا، حيث قال ميخائيل زفينتشوك، مدون روسي عسكري شهير مرتبط بوزارة الدفاع: “ستظهر ببساطة أساليب بيع جديدة، ستجعل اللوجستيات والتكاليف أكثر تعقيدًا، لكن قطاع النفط يتعامل مع هذه المشكلات منذ ثلاث سنوات ويواصل العمل بشكل جيد”.
ومع ذلك، فإن نطاق العقوبات الأمريكية واسع جدًا، ولأغلب الشركات، قد يفوق خطر الانقطاع عن النظام المالي الغربي فوائد الاستمرار في التجارة مع روسيا.










