احتفلت جامعة الدول العربية بمرور 80 عامًا على تأسيسها في روما، بمشاركة الاتحاد الأوروبي والدبلوماسيين العرب، مع التركيز على التعاون العربي-أوروبي والقضية الفلسطينية واستقرار منطقة الشرق الأوسط
عُقد أمس في روما مؤتمر دولي احتفالي بمناسبة الذكرى الثمانين لتأسيس جامعة الدول العربية، في قاعة Spazio Europa بمقر التمثيل الإيطالي للاتحاد الأوروبي وللبرلمان الأوروبي. وقد مثّل الحدث لحظة للتأمل في الإنجازات والتحديات وآفاق التعاون المستقبلي بين العالم العربي والاتحاد الأوروبي، وهما فاعلان أساسيان من أجل استقرار وتنمية منطقة البحر المتوسط.
وحمل المؤتمر عنوان “80 عامًا من الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي: الذاكرة، الإنجازات، وآفاق المستقبل”، وهدف إلى إبراز مساهمة الحوار الأوروبي-العربي في مجالات الدبلوماسية الثقافية، والتعاون الاقتصادي، والشراكة السياسية والأمنية، مع التأكيد على دور إيطاليا كجسر طبيعي بين ضفتي المتوسط. نظمت الحدث جمعية الصداقة الإيطالية-العربية Assadakah بالتعاون مع بعثة الجامعة العربية في إيطاليا، ويأتي تحت رعاية الجامعة العربية واللجنة الأوروبية وبرعاية البرلمان الأوروبي.
في رسالة أُرسلت بمناسبة المؤتمر، شدّد الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، على أن المنظمة، رغم التحولات والأزمات التي مرت بها المنطقة، “قد ظلت نقطة مرجعية للشعوب العربية، رمزًا للوحدة ومركزًا للشعور الجماعي”. وأوضح أن “الجامعة العربية كانت على مدار 80 عامًا الصوت الموحد للعرب، رافقت التحولات من الاستعمار إلى الحرية الوطنية، وساندت نضالاتنا من أجل العدالة والكرامة”. وأضاف أن الجامعة، رغم الأوقات الصعبة، “لم تختفِ أبدًا، بل تتجدد وتتحول وتزدهر”. وأكد أبو الغيط أن الجامعة العربية تبقى “أقدم وأطول المؤسسات دوامًا في منطقتنا، قوة سياسية وأخلاقية تمارس تأثيرًا حقيقيًا ومستمرًا رغم عدم قدرتها على فرض القرارات”. وأشار إلى أن القضية الفلسطينية تظل من أبرز الأسباب التي توحد العالم العربي، وقال: “الجامعة العربية قوة إضافية لجميع العرب، خصوصًا في عالم تهيمن عليه التحالفات الكبرى والكتل الإقليمية. ولو لم تكن الجامعة العربية موجودة، لكان علينا اختراعها”. واختتم رسالته بالتمني أن “تبقى منظمتنا عند مستوى آمال الشعوب العربية، مستمدة قوتها من الماضي لمواجهة تحديات المستقبل”.
بعد كلمات الترحيب التي ألقاها مؤسس Assadakah، طلال خريّس، تدخلت كل من السفيرة إيناس مكاوي، ممثلة الجامعة العربية في إيطاليا، وأسمهان الطقي، عميدة مجلس السفراء العرب في إيطاليا وسفيرة اليمن. وفي كلمتها، ذكرت مكاوي أن الجامعة العربية تأسست عام 1945 من أجل فلسطين، وأن “بعد 80 عامًا نواصل العمل من أجل فلسطين، التي ستظل تاجًا على جميع نصوصنا حتى يعود كل فلسطيني إلى أرضه”. وأكدت أن الأرض العربية “موطن للديانات اليهودية والإسلامية والمسيحية، وأرض السلام التي منحت أوروبا حضارتها من القرن السابع إلى الرابع عشر، ولذلك نسعى لاستمرار إرسال رسائل السلام للعالم وفقًا لديننا الإسلامي والمسيحي واليهودي”. وأضافت أن العرب يشملون “أمة من الخليج إلى المحيط، من الأردن إلى موريتانيا، ومن البحرين إلى العراق والسودان ولبنان وعمان، ومن الجزائر إلى بقية الدول العربية، ولكن في قلوبنا جميعًا فلسطين”.
بدورها، قالت أسمهان الطقي إن الجامعة العربية بعد ثمانين عامًا من تأسيسها لاتزال تمثل “ولادة طبيعية لروح أمتنا العربية، لماضينا وحاضرنا ومستقبلنا المشترك”. وأضافت أن جهود الجامعة منذ تأسيسها ركزت على التعاون في جميع المجالات والعمل من أجل استقرار وتقدم المنطقة بالاعتماد على الحوار والسلام بدلًا من النزاعات والتوترات، مع التأكيد على دعم القضية الفلسطينية كجزء أساسي من هوية ووعي العالم العربي. وأشارت إلى أن “التحديات الراهنة كثيرة، والتقدم ليس دائمًا وفق التوقعات، لذا يجب تعزيز التنسيق والوحدة”، مؤكدة أن “قيمة الجامعة العربية تكمن في مبدأها المؤسس ورسالتها في الوحدة العربية، التي تظل حية رغم الصعوبات”. وأضافت: “عندما ننظر إلى اتحادات أخرى مثل الاتحاد الأوروبي، نفهم أن الحفاظ على فكرة ورسالة الوحدة مهم بقدر أهمية تحقيق التقدم نفسه”. وختمت بالقول: “قوة الاتحاد لا تأتي من حجم الأرض، بل من الوحدة والقدرة على بناء الجسور. الجامعة العربية، رغم الظروف، تظل رمزًا ومنصة لصوت العرب”.
وشارك في الحدث عدد من الدبلوماسيين والأكاديميين وممثلي الدول الأعضاء في الجامعة العربية المعتمدين في إيطاليا، من بينهم السفير الفلسطيني لدى الفاتيكان عيسى كسيسية، الذي أكد أن الجامعة العربية كانت “الدرع السياسي والدبلوماسي الذي دعم ثبات الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وساهم في إبقاء قضيتنا حية في وعي العالم”. وأعرب عن “امتنان عميق” لمواقف المنظمة الثابتة بشأن “حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف”، بما في ذلك “حق تقرير المصير، وإقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين إلى منازلهم وفقًا للقرارات الدولية الشرعية”. وأوضح أن توحيد الجهود العربية والدولية هو أفضل طريقة لإنهاء الاحتلال وتحقيق سلام عادل ومستدام يضمن الاستقرار لجميع شعوب المنطقة.
وأشار السفير الفلسطيني إلى أن الأولوية بعد الحرب المدمرة على غزة والمعاناة الإنسانية الهائلة تكمن في “ترسيخ وقف إطلاق النار، وإتاحة وصول المساعدات الإنسانية عبر المنظمات الدولية، وانسحاب القوات المحتلة، وإعادة إعمار غزة، وتمكين دولة فلسطين من تحمل مسؤولياتها الكاملة في القطاع”. وأضاف أن زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى لبنان، وهي أول رحلة رعوية له تشمل أيضًا تركيا، “تؤكد استمرارية نهج سلفه البابا فرنسيس وتعزز العلاقات التاريخية بين الكرسي الرسولي والعالم العربي تحت مظلة الجامعة العربية، في ضوء قيم الأخوة الإنسانية المشتركة”.
وفي ختام المؤتمر، قدّمت الكاتبة باتريزيا بوي والصحفي روبرتو روجيرو العدد الخاص لوكالة Assadakah News المخصص للذكرى الثمانين للجامعة العربية، ضمن فعاليات شملت مداخلات دبلوماسية وثقافية متعددة










