“خارطة طريق ديكو”.. خطة مثيرة للجدل تطرح “مرشدا للأمة” على النموذج الإيراني لإنقاذ مالي، في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والدينية في مالي وخارجها، انتشر صباح اليوم الجمعة تقرير إعلامي يتناول تفاصيل ما يعرف بـ “خارطة طريق ديكو”، وهي خطة غير رسمية من ثماني نقاط يقترحها رجل الدين والمعارض السياسي المالي البارز الإمام محمود ديكو، المقيم حاليا في منفاه بالجزائر، وتهدف إلى “إنقاذ مالي خلال ستة أشهر”، عبر إعادة هيكلة السلطة السياسية وتعيين “مرشد للأمة” على غرار النموذج الإيراني.
وتقترح الخطة، التي نشرها الصحفي سيغا ديارا وحصدت انتشارا واسعا على المنصات المالية والأفريقية، إقامة انتقال وطني شامل ينتهي بتعيين شخصية دينية أو توافقية تشرف على المرحلة المقبلة بصفة “مرشد للأمة”، دون أن تتولى الرئاسة، في إشارة ضمنية إلى ديكو نفسه.
ثمانية محاور للخروج من الأزمة
تتضمن “خارطة طريق ديكو” مجموعة من الإجراءات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العاجلة، تهدف إلى إخراج البلاد من مأزقها الحالي في ظل استمرار المجلس العسكري في الحكم وتأجيل الانتخابات أكثر من مرة.
“بينما يغرق النظام العسكري في أزمة، يقترح الإمام محمود ديكو مسارا للخلاص في مالي: انتقال أخلاقي واجتماعي وجمهوري.”
وتضمنت الخطة، وفق ما نقلته، ثمانية محاور رئيسية تقوم على المصالحة الوطنية، والحوار بين المكونات المالية، ومحاربة الفساد، وبناء دولة العدالة والشرعية الأخلاقية.
وأكدت ديارا أن ديكو يرى أن مالي “تغرق في طريق مسدود بعد فشل التحولات العسكرية”، مشددا على أن الحل يكمن في “ميثاق أخلاقي واجتماعي جديد” تشارك فيه القوى الحية من الزعماء الدينيين، والسياسيين المعتدلين، والشباب، والنساء، ورواد الأعمال.
ودعا ديكو إلى “دبلوماسية الحوار” بين مكونات المجتمع المالي كافة — من الفولاني والدوغون إلى الطوارق والعرب — قائلا إن السلام لا يكتسب بالحرب بل بالثقة المتبادلة.
واختتم ديكو خريطته بعبارة لافتة:”مالي تنتظر مرشدا، لا قائدا. رجل إيمان، لا سلطة.”
وجاء في نص الوثيقة المسربة:”مالي تغرق في طريق مسدود. فشلت التحولات العسكرية، وحل الخوف محل الثقة، وخطاب السيادة يخفي العزلة. في مواجهة هذا التعب الوطني، يجسد ديكو صوتا للتهدئة والإيمان والمصالحة.”
وتركز “خارطة طريق ديكو” على ثمانية محاور رئيسية:
السلام الفوري مع الجوار: إنهاء التوترات مع الجزائر، النيجر، وبوركينا فاسو.
إنهاء أزمة الطاقة: إعادة الكهرباء على مدار الساعة في باماكو والمدن الكبرى.
احتواء الحرب: وقف العمليات العسكرية خارج منطقة كيدال لحماية المدنيين.
الحوار الوطني الشامل: إشراك المجلس العسكري، الأحزاب السياسية، المجتمع المدني والجماعات المسلحة.
التحول الأخلاقي: مكافحة الفساد والعودة إلى “القيم المالية” كالصدق واحترام الكبار.
التحول الاجتماعي: ضمان التعليم والرعاية الصحية المجانية وتقديم مساعدات غذائية عاجلة.
التحول الجمهوري: تحديد جدول انتخابي واضح ورحيل الجيش عن السلطة.
الإشراف الوطني: تعيين “مرشد للأمة” يقود المرحلة الانتقالية أخلاقيا دون صلاحيات تنفيذية.
ويختتم ديكو خطته بالقول:”مالي تنتظر مرشدا، لا قائدا. رجل إيمان، لا سلطة.”
تصاعد الضغوط على المجلس العسكري
تأتي المبادرة في وقت حرج تواجه فيه الحكومة الانتقالية بقيادة العقيد أسيمي غويتا ضغوطا متزايدة داخليا وخارجيا، مع استمرار الأزمة الاقتصادية وانهيار الخدمات العامة.
وتشهد مالي انقطاعات متكررة للكهرباء، وارتفاعا حادا في أسعار الوقود والسلع الأساسية، في وقت تتزايد فيه هجمات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التي تعيق حركة النقل والتجارة بين الشمال والجنوب.
ويرى مراقبون أن توقيت طرح الخطة يشير إلى محاولة ديكو استثمار حالة السخط الشعبي لإحياء مسار مدني – ديني بديل للحكم العسكري، بينما يحذر آخرون من أن النموذج المقترح قد يفتح الباب أمام “أسلمة السياسة” واستنساخ أنظمة دينية في بلد متعدد المعتقدات.
ديكو.. رجل الدين الذي لا يغيب عن السياسة
يعد الإمام محمود ديكو من أبرز الشخصيات الدينية في مالي، وقد لعب أدوارا محورية في أزمات سابقة، أبرزها وساطته عام 2013 بين الحكومة والجماعات المسلحة في الشمال.
ورغم وجوده في المنفى، يحتفظ بتأثير واسع بين الزعامات الدينية والقبلية، وينظر إليه باعتباره “الوجه الإسلامي الأبرز القادر على التحدث مع الجميع”.
غير أن منتقديه يتهمونه بالسعي إلى العودة إلى المشهد السياسي بغطاء ديني، في حين يرى أنصاره فيه “صوت الضمير الوطني” القادر على مصالحة الجيش والمعارضة والمجتمع.
انقسام في ردود الفعل الشعبية
فور تداول الخطة، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي انقساما واضحا في المواقف:
المؤيدون وصفوا ديكو بأنه “الأمل الأخير لإنقاذ مالي”، وتداولوا شعارات تصفه بـ “المرشد الذي لا يقهر” و“ديكو المنقذ”.
المعارضون اعتبروا المبادرة محاولة لفرض “نظام ديني مواز” على غرار إيران، محذرين من تهديد لمبدأ فصل الدين عن الدولة.
حتى مساء الجمعة، لم يصدر أي تعليق رسمي من الإمام ديكو لتأكيد أو نفي الخطة، كما لم تعلق السلطات المالية على محتواها حتى منتصف النهار بتوقيت غرينتش.
النموذج الإيراني
تثير “خارطة طريق ديكو” تساؤلات عميقة حول مستقبل الحكم في مالي، بين من يراها فرصة أخيرة لإنقاذ البلاد من الانهيار السياسي والاقتصادي، ومن يعتبرها مشروعا لعودة المرجعية الدينية إلى قمة السلطة في بلد يعاني منذ عقد من دوامة الانقلابات والانقسامات.
وفي غياب موقف رسمي، تبقى مالي في حالة ترقب بين طموحات الخلاص الوطني ومخاوف إعادة إنتاج سلطة دينية قد تغير وجه جمهوريتها إلى الأبد.










