شهدت بوليفيا اليوم تحولاً سياسياً تاريخياً مع تنصيب رودريغو باز بيريرا رئيساً للجمهورية وإدمان لارا نائباً له، في احتفال رسمي بالعاصمة لاباز، ليبدأ بذلك عهد جديد يوصف بأنه مرحلة “ما بعد الاشتراكية”. ويُعدّ باز أول رئيس منتخب منذ عام 2006 لا ينتمي إلى حركة نحو الاشتراكية (MAS)، الحزب الذي أسسه الرئيس السابق إيفو موراليس، مما يمثل قطيعة واضحة مع الحقبة التي هيمنت فيها الحركة على المشهد السياسي لما يقارب عقدين.
مرحلة جديدة بعد عقدين من الحكم الاشتراكي
يرى مراقبون أن هذا التحول يشكل لحظة مفصلية في تاريخ بوليفيا السياسي، بعد سنوات من السياسات اليسارية التي وُصفت بأنها قيّدت الحريات المدنية والاقتصادية. وقد رحبت المعارضة بهذا التحول واعتبرته “فرصة لإعادة التوازن السياسي والديمقراطي”. كما أشادت عدة عواصم في أمريكا اللاتينية بهذه “الانطلاقة الجديدة”، متعهدة بتقديم دعم اقتصادي واستثماري للحكومة الجديدة.
التحول في التوجه السياسي والاستراتيجي للبلاد بدا واضحاً في تفاصيل حفل التنصيب؛ إذ غابت عنه رموز اليسار الإقليمي، وحضر ممثلون عن الدول التي تجمعها ببوليفيا علاقات أكثر براغماتية. كما أعلن الرئيس باز عن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة بعد انقطاع دام منذ عام 2009، في خطوة تعكس التوجه الجديد نحو الانفتاح.
فور انتهاء مراسم التنصيب، من المتوقع أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين أمام الرئيس باز، في كسر لتقليد سابق كان يؤخر تشكيل الحكومة لأيام أو أسابيع بعد الحفل، في إشارة إلى رغبة الإدارة الجديدة في التحرك بسرعة نحو الكفاءة والإصلاح.
حضور إقليمي واسع وغياب رموز اليسار
شارك في الحفل رؤساء كل من الأرجنتين خافيير ميلي، وتشيلي غابرييل بوريك، وباراغواي سانتياغو بينيا، والإكوادور دانييل نوبوا. فيما لم يُؤكد حضور رئيس السلفادور ناييب بوكيلي حتى اللحظة الأخيرة. كما شارك نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو، ونائب الرئيس البرازيلي جيرالدو ألكمين، ورئيس الوزراء البيروفي إرنستو ألفاريز.
وغاب عن الحفل الرئيس المنتهية ولايته لويس آرسي، ولم تُوجَّه الدعوة إلى كل من نيكولاس مادورو (فنزويلا) وميغيل دياز كانيل (كوبا) ودانييل أورتيغا وروساريو موريلو (نيكاراغوا)، في رسالة واضحة بأن بوليفيا تدخل مرحلة سياسية جديدة تقطع مع المحور اليساري الإقليمي.
باز بيريرا صرّح لقناة سي إن إن بالإسبانية: “نحن بلد ديمقراطي، وعلاقاتنا الخارجية ستقوم فقط على أساس الديمقراطية والاحترام المتبادل”.
انهيار “حركة نحو الاشتراكية” وصعود اليمين المعتدل
تغيب الرئيس المنتهية ولايته لويس آرسي عن الحفل بعد أن أعلن في خطاب وداعي أنه يتحمل المسؤولية عن “أخطاء” حكومته التي أدت إلى أزمات اقتصادية خانقة. ويأتي ذلك وسط انقسام داخلي حاد في حركة موراليس، انتهى بطرد آرسي من الحزب بسبب اتهامات باختلاس أموال عامة.
وشهد الحفل حضوراً لافتاً للرئيسة المؤقتة السابقة جانين آنيس (2019-2021)، التي أُفرج عنها قبل أيام بعد إلغاء حكم بالسجن لعشر سنوات كان قد صدر بحقها بتهمة “الانقلاب” عام 2019، عقب استقالة موراليس إثر اتهامات بتزوير الانتخابات.
أما موراليس نفسه، فأعلن تلقيه دعوة رسمية لحضور الحفل، لكنه رفض الحضور “خوفاً من الاعتقال”، مؤكداً أن القضايا المرفوعة ضده والمتعلقة بالاتجار بالبشر “مفبركة سياسياً”.
برنامج اقتصادي جديد: “رأسمالية للجميع”
في أول خطاب له بعد انتخابه، أكد باز بيريرا أن حكومته ستعمل على إعادة فتح بوليفيا أمام الاستثمارات الأجنبية وتحرير الاقتصاد من “قيود الأيديولوجيا”. وقال في مقابلة مع قناة Uno:
“لقد خُدعنا لعشرين عاماً، حزب واحد كان يملك الدولة، والدولة كانت تملك مواردنا. حان الوقت لإدارة شفافة تجذب الاستثمار وتعيد الثقة”.
وشدد الرئيس الجديد على أن حكومته ستعيد النظر في عقود استغلال الليثيوم التي كانت مطروحة مع شركات صينية وروسية، مؤكداً أن العقود المستقبلية ستكون “عادلة وشفافة مع جميع الدول”، قائلاً:
“نرحب بالصين، والولايات المتحدة، وأوروبا، وكل من يرغب في الاستثمار، لكن بشروط واضحة تحمي مصالح الشعب البوليفي”.
وأضاف باز أن حكومات حركة نحو الاشتراكية أهدرت عائدات الغاز الطبيعي دون أن تستثمرها في تنمية البلاد، مما أدى إلى تراجع الاحتياطيات. وأوضح أن بلاده تواجه حالياً احتمال استيراد الغاز من الأرجنتين، وهو ما اعتبره “دليلاً على فشل النموذج الاشتراكي القائم على استخراج الموارد دون تخطيط”.
وأكد الرئيس عزمه على إصلاح قانون المحروقات ووضع سياسة استثمارية جديدة تقوم على تقاسم الأرباح “بنسبة 50% بين الدولة والمستثمر الأجنبي”، قائلاً:
“إذا جلب المستثمر التكنولوجيا والمال، فسنقسم الإنتاج مناصفة. وإن لم يتحقق اكتشاف الغاز، فالخسارة تكون على المستثمر لا على الدولة”.
تحديات برلمانية وتحالفات مطلوبة
باز بيريرا، الذي كان يشغل سابقاً منصب عمدة مدينة تاريا، فاز في الجولة الثانية على الرئيس الأسبق خورخي “توتو” كيروجا بنسبة 54.96% من الأصوات، مقابل 45.04% لتحالف “ليبره” الذي قاده كيروجا.
لكن الحكومة الجديدة لن تتمتع بالأغلبية المطلقة في البرلمان، إذ حصل الحزب الديمقراطي المسيحي (PDC)، بزعامة باز، على 16 مقعداً من أصل 36 في مجلس الشيوخ، و54 مقعداً من أصل 130 في مجلس النواب، ما يمنحه أغلبية نسبية فقط.
بينما حصل تحالف “الحرية” المعارض على 12 عضواً في مجلس الشيوخ و41 نائباً، في حين جاءت كتلة “الوحدة من أجل بوليفيا” بسبعة أعضاء في المجلس الأعلى و28 نائباً.
أما حركة نحو الاشتراكية (MAS)، التي هيمنت على البرلمان منذ عام 2005، فتراجعت إلى مقعدين فقط، في مؤشر واضح على انهيار نفوذها التاريخي.
وعود بالإصلاح والانفتاح
اختتم الرئيس الجديد كلمته بالتأكيد على أن حكومته “ستُعيد الشفافية إلى إدارة الموارد الطبيعية، وتفتح الباب أمام العالم للاستثمار في بوليفيا”، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد “تحولاً اقتصادياً قائماً على الإنتاج والابتكار لا على الأيديولوجيا”.
وأضاف:
“نريد أن نقول للعالم: لدينا موارد ضخمة، ونرغب في إقامة شراكات عادلة بشروط واضحة. لن نسمح بعد اليوم بعقود غامضة أو احتكار سياسي للثروة. برنامجنا عنوانه: رأسمالية للجميع.”











