كشفت وثائق مسربة عن توقيع عقد سري بين المجلس العسكري الحاكم في مالي وتركيا، لشراء طائرات مسيرة من طراز “أكينجي” (Akinci) بقيمة 210 مليون دولار أمريكي في 15 أغسطس 2024. وقد تم تنفيذ الصفقة في أجواء من السرية التامة، بعيدا عن القنوات الرسمية، وهو ما أثار تساؤلات حول الجهات التي كانت وراء هذه المفاوضات وما قد يترتب عليها من تداعيات سياسية وعسكرية.
الصفقة السرية: تفاصيل وتوقيت غامض
بحسب الوثيقة المسربة، تم توقيع العقد من قبل شخصيات مقربة من الدائرة الرئاسية في مالي، حيث قام كل من موديبو كونيه، رئيس جهاز الاستخبارات المالي، وفاطوماتا باتولي نيان، وهي زميلة مقربة من الرئيس الانتقالي أسيمي غويتا، بتسهيل الصفقة. يذكر أن فاطوماتا باتولي نيان لها علاقات خاصة مع ابنة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو ما يعتقد أنه سهل إتمام الصفقة في الخفاء.
تسليم الطائرات: بداية التعاون العسكري بين مالي وتركيا
الصفقة تأتي في إطار تعزيز التعاون العسكري بين مالي وتركيا، حيث تم بالفعل تسليم 17 طائرة مسيرة من طراز “TB2” بين عامي 2023 و2024. لكن ما يميز صفقة “أكينجي” هو حجمها الكبير وتعقيدها، بالإضافة إلى أن الطائرات المقاتلة المسيرة من طراز “أكينجي” تعتبر من الأنظمة المتقدمة التي يمكنها تنفيذ مهام متنوعة، بما في ذلك الهجمات الجوية والعمليات الاستخباراتية.
وفي حفل بثته قناة ORTM الحكومية في باماكو، أعلن الرئيس الانتقالي أسيمي غويتا عن تسلم أول دفعة من طائرات “أكينجي”، بينما كان وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، حاضرا في الحفل. لكن على الرغم من تواجده في المناسبة، لم يكن الوزير على علم بالصفقة السرية التي تمت بين المجلس العسكري وتركيا.
أسعار مشكوك فيها: الطائرات والأسلحة
تفاصيل الأسعار الواردة في الوثيقة المسربة تشير إلى أن الصفقة تضمنت طائرات “أكينجي” بسعر مبالغ فيه مقارنة بالسعر السوقي. فقد تم شراء الطائرة الواحدة مقابل 27 مليون دولار، وهو ما يعتبر أعلى بكثير من سعر السوق لهذا النوع من الطائرات. كما أن القنابل الموجهة MAM-L وMAM-T المخصصة للطائرات بلغت قيمتها 120 ألف دولار لكل وحدة، بينما تقدر تكاليف النقل بـ 9 ملايين دولار.
الأسئلة حول الهدف: حماية النظام لا الدولة
أبرز ما يثير القلق في هذه الصفقة هو هدفها الظاهر. في حين أن من المفترض أن تستخدم الطائرات المسيرة لتعزيز الدفاع الوطني ضد التهديدات الخارجية أو الجماعات المسلحة في المنطقة، تشير التقارير إلى أن هذه الطائرات لن تستخدم في المقام الأول لحماية حدود مالي أو التصدي للجماعات المسلحة التي تهدد الأمن الداخلي.
بل، تشير بعض التقارير إلى أن الهدف الرئيسي لهذه الطائرات هو “حماية النظام الحاكم” في باماكو من أي تهديد داخلي أو احتجاجات شعبية قد تظهر ضد الحكومة العسكرية. هذا الأمر يتوافق مع تعزيزات أمنية إضافية قدمتها شركة SADAT التركية، وهي شركة شبه عسكرية تعرف بارتباطاتها الوثيقة مع الحكومة التركية، وهو ما يعزز الفكرة بأن هذه الطائرات قد تستخدم لتوطيد السلطة العسكرية في مالي.

تغير موازين القوى داخل الحكومة المالية
الصفقة السرية تحمل في طياتها تحولا كبيرا في موازين القوى داخل الحكومة المالية. حيث يلاحظ أن موديبو كونيه، رئيس جهاز الاستخبارات، أصبح أكثر نفوذا في اتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى، بينما بدأ وزير الدفاع ساديو كامارا يشعر بالتهميش، حيث لم يكن له علم بهذه الصفقة الضخمة، ما يعكس وجود خلافات داخلية وصراع على السلطة بين مختلف الأجنحة داخل المجلس العسكري الحاكم.
عدم الثقة يهدد الاستقرار السياسي
تحركات مثل هذه، التي تتم في الخفاء دون التنسيق مع المسؤولين الرسميين، تثير أجواء من عدم الثقة في قمة السلطة في باماكو، حيث يعتقد البعض أن هذه القرارات قد تسهم في تفاقم الانقسامات الداخلية. كما أن تكتم الحكومة على التفاصيل الدقيقة للصفقة، سواء من حيث المبلغ أو تاريخ التوقيع، يزيد من تعقيد الصورة ويطرح تساؤلات حول مستوى الشفافية في إدارة الأمور السياسية والعسكرية.
تساؤلات حول مستقبل التعاون بين مالي وتركيا
مع مرور الوقت، يحتمل أن تثير هذه الصفقة المزيد من الجدل على الساحة الدولية. من غير الواضح ما إذا كانت تركيا قد عملت مع مالي بشكل علني أم أنها قامت بتسوية هذه الصفقات من خلال قنوات غير رسمية لدوافع استراتيجية. في الوقت نفسه، قد يؤدي هذا التعاون العسكري إلى تعزيز الوجود التركي في غرب أفريقيا، وهو ما قد يغير قواعد اللعبة في المنطقة.
ويبقى أن ننتظر المزيد من التطورات حول هذه الصفقة وأثرها على الوضع السياسي والاقتصادي في مالي، خاصة في ظل استمرار تزايد النفوذ التركي في المنطقة.
التوقعات المستقبلية:
إذا استمر هذا النوع من التعاون السري بين الدولتين، فقد يشهد العالم تحولا كبيرا في موازين القوى الإقليمية في غرب أفريقيا، وربما في العلاقات الدولية بين تركيا والغرب، خاصة في ظل تزايد الضغوط على مالي بعد انقلابين عسكريين متتاليين في عامين فقط.










