شبكة مرتزقة تمتد من كولومبيا إلى إفريقيا الوسطى، تمولها أطراف إقليمية ودولية وتقاتل في صفوف قوات حميدتي. من يقف وراء تحويل السودان إلى ساحة حرب عالمية مفتوحة؟ تقرير يكشف خيوط المال والسلاح والدم في صراع دارفور.
تزداد ظاهرة استخدام المرتزقة في الحرب السودانية وضوحًا يوماً بعد يوم، بعد أن أصبحت هذه الشبكات العابرة للحدود أحد العوامل الحاسمة في مسار الصراع بين قوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتي» والجيش السوداني.
فقد سلطت الأضواء مجددًا على هذه القضية عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، وهو حدث أعاد طرح تساؤلات حول الدور الذي يلعبه المقاتلون الأجانب الذين تم تجنيدهم للقتال في صفوف قوات حميدتي.
وزير الخارجية السوداني محيي الدين سليم كان آخر من ندد بوجود هؤلاء المرتزقة، واصفًا ما يجري بأنه «غزو مباشر» من مقاتلين قادمين من دول متعددة — بينها كولومبيا، وعدد من بلدان غرب إفريقيا، إلى جانب دول مجاورة مثل تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان — مطالبًا بالتعامل مع هذه المسألة وفق ما يقرّه القانون الدولي.
المرتزقة الكولومبيون… تجارة دماء عابرة للقارات
وجود المرتزقة الكولومبيين في السودان ليس أمرًا جديدًا. ففي نوفمبر 2024، كشف الموقع الإخباري الكولومبي «لا سيّلا فاثيا» أن أكثر من 300 كولومبي يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع. وفي أغسطس الماضي، أعلنت التليفزيون السوداني إسقاط طائرة كانت تقلّ 40 مرتزقًا كولومبيًا أثناء محاولتها الهبوط في نيالا، عاصمة جنوب دارفور، التي تسيطر عليها قوات حميدتي.
الحادث أثار ردّ فعلٍ غاضب من الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، الذي دعا البرلمان إلى إصدار قانون يمنع ظاهرة «الارتزاق»، واصفًا إياها بأنها «اتجار بالبشر وتحويل للإنسان إلى سلعة للقتل». ورغم ذلك، لم تؤدِّ دعوته إلى أي نتائج ملموسة، إذ ما تزال التقارير تؤكد استمرار مشاركة الكولومبيين في القتال داخل السودان.
وتوضح التحقيقات الصحفية أن هؤلاء المرتزقة هم في الغالب عسكريون سابقون، يجري استدراجهم بعقود وهمية للعمل في الإمارات العربية المتحدة – الحليف الرئيس لقوات الدعم السريع – حيث يتم إرسالهم بعد ذلك إلى السودان للمشاركة في المعارك. هذه العملية تُعرف باسم «ذئاب الصحراء»، ويقودها العقيد المتقاعد ألفارو كويخانو بالتعاون مع شركة أمن إماراتية تُدعى Global Security Service Group.
وتشير مصادر عدة إلى أن عدد المرتزقة الكولومبيين المشاركين في الحرب قد يصل إلى نحو ألفي مقاتل، موزعين على ثلاثة كتائب تعمل ضمن صفوف قوات حميدتي.
وفي أغسطس الماضي، وجه رئيس الوزراء السوداني كمال إدريس رسالة مصوّرة إلى الشعب الكولومبي والعالم الناطق بالإسبانية، دعا فيها إلى «وقف إرسال المقاتلين إلى السودان»، قائلاً:
«لقد قدّم العالم الناطق بالإسبانية مساهمات عظيمة للإنسانية، من فن بابلو بيكاسو إلى شعر بابلو نيرودا وأدب غابرييل غارسيا ماركيز وماريو فارغاس يوسا. وبروح الإبداع والتضامن ذاتها، أدعوكم إلى مساعدتنا على إنهاء حصار الفاشر ووقف تجنيد المرتزقة في بلادنا».
وتعد مشاركة الكولومبيين في حروب أجنبية ظاهرة قديمة، إذ سبق توثيق تورطهم في صراعات في الشرق الأوسط وإفريقيا لحساب شركات أمنية خاصة. كما ارتبط اسم مرتزقة كولومبيين باغتيال رئيس هايتي جوفينيل مويس عام 2021، وبالقتال مؤخرًا في أوكرانيا، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية شكلاً من أشكال «الاتجار بالبشر لأغراض عسكرية».
تشاد وإفريقيا الوسطى… جبهة خلفية تمولها أبوظبي
لم تقتصر ظاهرة المرتزقة على الكولومبيين وحدهم. فالتقارير تشير إلى أن تشاد تدعم قوات حميدتي بشكل غير مباشر، رغم أن مقاتلين من قبيلة الزغاوة – التي ينتمي إليها الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي – يقاتلون أيضًا إلى جانب الجيش السوداني بدافع التضامن العرقي.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن شحنات أسلحة تصل من أبوظبي إلى مطار أم جرس في شرق تشاد، ومنها تُنقل برًّا إلى إقليم دارفور لصالح قوات الدعم السريع، في خرق واضح لحظر الأسلحة المفروض على السودان.
وفي نوفمبر 2024، قدمت الخرطوم شكوى رسمية إلى اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، اتهمت فيها تشاد بتزويد قوات حميدتي بالسلاح والمرتزقة، وبالمشاركة في اغتيال حاكم غرب دارفور خميس أبكر في يونيو 2023، معتبرة أن هذه الأفعال تمثل انتهاكًا للقانون الإفريقي والدولي.
من جهة أخرى، تلعب جمهورية إفريقيا الوسطى دورًا محوريًا في شبكة الإمداد هذه. فبحسب مجلة Africa Intelligence، تُستخدم مناطقها الشمالية، خصوصًا إقليم فاكاغا الحدودي مع السودان وتشاد، كمنطقة عبور للمقاتلين والسلاح. ويُعتقد أن مجموعة «أفريكا كوربس» (الاسم الجديد لمجموعة فاغنر الروسية) تشرف على عمليات التجنيد هناك، بتمويل من الإمارات.
وتكشف المجلة أن الرئيس فوستين تواديرا لجأ إلى أبوظبي لتمويل هذه العمليات، مقابل تسهيلات لوجستية تمنح الإمارات موطئ قدم استراتيجي في إفريقيا الوسطى. وتُستخدم مدينة بيراو كمركز تفاوض بين الإمارات وسلطات بانغي حول استخدام مدرج طائرات صغير لتعزيز الإمدادات العسكرية إلى السودان.
ويقول مراقبون إن هذه الخطوة تهدف إلى تقليص اعتماد الإمارات على قاعدة أم جرس في تشاد بعد تصاعد اعتراضات داخلية من شخصيات نافذة من قبيلة الزغاوة على استخدام أراضي البلاد في العمليات الإماراتية.
جنوب السودان… الخزان البشري للدعم السريع
أما جنوب السودان، فقد أصبح بدوره أحد أبرز مصادر المقاتلين الأجانب في صفوف قوات حميدتي. فمنذ اندلاع الحرب، جرى تجنيد مقاتلين من قبائل وإثنيات مختلفة من جنوب السودان، حيث أعلنت القوات المسلحة السودانية في مارس 2024 القبض على 14 مرتزقًا من هذه الدولة خلال عملية في أم درمان.
وفي فبراير الماضي، اعترفت حكومة جوبا للمرة الأولى بوجود مقاتلين من جنوب السودان يشاركون في الحرب بالسودان، دون أن تقدم خطة واضحة لمعالجة الأمر.
ويقدّر نائب القائد العام للجيش السوداني اللواء ياسر العطا أن نحو 65% من المرتزقة الذين يقاتلون مع قوات الدعم السريع ينحدرون من جنوب السودان، بينما تتوزع النسبة الباقية بين جنسيات ليبية وتشادية وإثيوبية ومركزية وسورية وكولومبية، إلى جانب عناصر من المجموعة الروسية السابقة «فاغنر». وأشار العطا إلى أن نسبة القيادات السودانية داخل هيكل قيادة الدعم السريع لا تتجاوز 5%.
وفي تصريحات حديثة، اتهم العطا الإمارات بالسعي لتحويل السودان إلى «ساحة صراع إفريقي» من أجل السيطرة على موارده الطبيعية، مؤكدًا أنها تمول المرتزقة وتوفر لهم السلاح والمال وتستخدم الرشى للتأثير على منظمات دولية وشراء ولاءات قادة سياسيين.
صراع يتجاوز حدود السودان
تؤكد هذه المعطيات أن الحرب السودانية لم تعد نزاعًا داخليًا على السلطة، بل تحولت إلى شبكة معقدة من المصالح الدولية والإقليمية، تديرها شركات أمنية وجيوش من المرتزقة تمتد من بوغوتا إلى دارفور، ومن أبوظبي إلى بانغي.
وفي ظل هذا المشهد الدموي، يظل المدنيون السودانيون هم الخاسر الأكبر، في حربٍ باتت تُدار بأموال النفط والذهب وبدماء من جرى تحويلهم إلى أدوات في لعبة النفوذ العالمية.










