في تطور لافت ينذر بتغيير قواعد الاشتباك في الحرب السودانية، أعلنت القوات المشتركة للحركات المسلحة (المتحالفة مع الجيش السوداني)، أمس الخميس 21 نوفمبر 2025، عن نجاح عملية نوعية تمثلت في خروج آمن لنخبة من قياداتها العسكرية الميدانية من مدينة الفاشر، ووصولهم إلى محاور القتال في إقليم كردفان، في خطوة وصفها مراقبون بأنها “إعادة تموضع استراتيجي” تهدف لنقل ثقل المعركة من دارفور إلى العمق السوداني.
من الدفاع إلى الهجوم في كردفان
وأكد المتحدث الرسمي باسم القوات المشتركة، وصول هذه القيادات -التي تتمتع بخبرات قتالية عالية اكتسبتها خلال حصار الفاشر- إلى مواقع القيادة في ولايات كردفان. وأشار الإعلان صراحة إلى وصول “حربي آسيا الخليفة”، الناطق باسم الفرقة السادسة مشاة، إلى منطقة “مقرن النيلين” بسلام، مما يبدد الشائعات حول مصير قادة الفرقة بعد سقوط المدينة.
ويأتي هذا التحرك لتعزيز الدفاعات في محور كردفان (شمال وغرب وجنوب)، الذي تحول إلى “الجبهة الرئيسية” للحرب، حيث تسعى القوات المشتركة والجيش لصد محاولات قوات الدعم السريع (RSF) للتوغل شرقا نحو النيل الأبيض ووسط السودان الغني بالموارد.
ما بعد سقوط الفاشر: حقائق دامية
ويأتي هذا الإعلان بعد نحو شهر من سقوط مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش في دارفور، في أيدي قوات الدعم السريع يومي 26 و27 أكتوبر 2025. وقد كشفت التقارير اللاحقة عن مأساة إنسانية مروعة، حيث أشارت تقديرات الأمم المتحدة ومختبر “ييل” للبحوث الإنسانية إلى مقتل ما يزيد عن 2,500 مدني خلال الساعات الأخيرة من السقوط، وسط تقارير عن عمليات حرق ودفن جماعي لطمس الأدلة.
وأوضحت مصادر عسكرية أن انسحاب القيادات والقوات المتبقية من الفاشر كان قرارا تكتيكيا اضطراريا لتجنب “مذبحة شاملة”، وللحفاظ على الكوادر القيادية لإدارة المعركة في الجبهات المتبقية.
كردفان.. ساحة المعركة الفاصلة
وبانتقال الثقل العسكري إلى كردفان، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من الحرب تتسم بالآتي:
المدن المستهدفة: تركز المعارك حاليا على مدينة بابنوسة في غرب كردفان التي تعاني من حصار خانق، ومدينة الأبيض الاستراتيجية (شمال كردفان) التي تمثل عقدة مواصلات حيوية، وذلك بعد سيطرة الدعم السريع على مدينة بارا مطلع نوفمبر الجاري.
تكتيكات جديدة: تسعى القيادات الوافدة من الفاشر لتطبيق خبراتها في “حرب المدن” والقتال الصحراوي لصد الهجمات السريعة التي تشنها الدعم السريع مستخدمة الدراجات النارية والمسيرات الحديثة.
الدعم الجوي: يعتمد الجيش السوداني بشكل مكثف على الغطاء الجوي (الطيران الحربي والمسيرات) لتعويض الفارق الميداني في كردفان، بينما تحاول الدعم السريع استغلال المناطق المفتوحة للتقدم السريع نحو منشآت النفط وطرق الإمداد.
رسائل الإعلان
ويرى خبراء عسكريون أن توقيت هذا الإعلان يحمل رسالة معنوية مزدوجة:
للداخل: رفع الروح المعنوية لجنود الجيش والقوات المشتركة في كردفان بتأكيد وجود قيادات متمرسة بينهم.
للخارج: التأكيد على أن خسارة الفاشر لا تعني نهاية العمليات العسكرية، بل إعادة ترتيب للأوراق استعدادا لمعارك استنزاف طويلة الأمد في وسط وغرب السودان.










