في الساعات الأولى من يوم الاثنين، وبينما كان البيت الأبيض يستعد لإعلان حزمة قرارات أمنية جديدة، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا بدا للوهلة الأولى جزءا من سياسة معلنة لمكافحة الإرهاب.
لكن خلف هذه الورقة التي تحمل توقيعه، تقف أكبر خطوة أمريكية منذ سنوات باتجاه إعادة تعريف العلاقة مع واحدة من أكثر الحركات الإسلامية حضورا في المنطقة: جماعة الإخوان المسلمين.
الأمر التنفيذي لا يصنف الجماعة مباشرة، لكنه يوجه الإدارة إلى دراسة تصنيف فروع محددة في لبنان ومصر والأردن كـ”منظمات إرهابية أجنبية” و”إرهابيين عالميين مصنفين بشكل خاص”. خطوة وصفتها دوائر سياسية في واشنطن بأنها “شبه إعلان” قبل صدور الحكم النهائي.
الغرفة التي صدر منها القرار: دوافع غير معلنة؟
البيت الأبيض يقول إن الدافع أمني بحت، إذ جاء في بيانه:
“الرئيس ترامب يواجه الشبكة العابرة للحدود لجماعة الإخوان المسلمين، والتي تغذي الإرهاب وحملات زعزعة الاستقرار المناهضة للمصالح الأمريكية وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.”
لكن مصادر متابعة للملف داخل العاصمة الأمريكية ترى أن القرار يمثل عودة قوية لأجندة ترامب الأولى خلال رئاسته السابقة—الأجندة التي سعت إلى إعادة تعريف العلاقة مع الإسلام السياسي، لكن اصطدمت آنذاك بمؤسسات الأمن القومي.
اليوم، ومع تغير التوازنات داخل الإدارة، يبدو أن ترامب يمضي في اتجاه أكثر حدة، ولكن عبر استراتيجية انتقائية تستهدف الفروع وليس الجماعة في مجملها، لتجنب الاعتراضات المؤسسية التي ظهرت في الماضي.
خيوط الاتهامات… ثلاث دول في مرمى القرار
لبنان: شبهة دعم عمليات مسلحة
وفق ما جاء في المبررات الرسمية، تتهم الإدارة الأمريكية عناصر محسوبة على الإخوان في لبنان بـ”المشاركة في إطلاق صواريخ” بعد أحداث 7 أكتوبر 2023.
لكن لا يقدم البيان تفاصيل حول طبيعة الأدلة أو هوية الجهات التي تحقق في هذه الادعاءات، ما يثير أسئلة حول حجم الدور الحقيقي لهذه المجموعات داخل الساحة اللبنانية المعقدة أصلا.
مصر: تصريحات قيادية تحت المجهر
الفرع المصري—الأكبر والأكثر شهرة—يؤخذ عليه تصريحات لقادة في الجماعة “دافعوا عن هجمات عنيفة ضد شركاء الولايات المتحدة”.
لكن الملف المصري أكثر حساسية، لأن الجماعة مصنفة إرهابية في مصر بالفعل، ما يجعل التقاطع بين الموقفين المصري والأمريكي موضع تحليل سياسي دقيق.
الأردن: دعم مادي لحماس؟
أما الفرع الأردني، فتتهمه واشنطن بـ”تقديم دعم مادي طويل الأمد للجناح العسكري لحماس”.
قرار كهذا قد يدعم الحكومة الأردنية، والتي صنفت جماعة الإخوان كتنظيم إرهابي في المملكة.
رحلة الـ45 يوما… لجنة تقييم تتحكم في مستقبل القرار
الأمر التنفيذي ينص على فتح مراجعة مدتها 30 يوما يشارك فيها كل من وزير الخارجية، وزير الخزانة،المدعي العام، مدير الاستخبارات الوطنية.
ثم يرفع تقرير مشترك إلى الرئيس خلال 45 يوما، يوصي إما بالتصنيف أو بإغلاق الملف.
هذه العملية تجعل القرار النهائي أقرب إلى قرار مؤسساتي وليس رئاسيا فقط، ما يمنح الخطوة ثقلا قانونيا وسياسيا، ولكنه يفتح الباب أيضا أمام احتمال حدوث خلافات داخلية بين الأجهزة.
ما وقع عليه ترامب ليس مجرد “أمر تنفيذي” بل إشارة سياسية تمتد آثارها من واشنطن إلى الشرق الأوسط.
هي خطوة تضع جماعة الإخوان – بفروعها المختلفة – أمام لحظة محورية، وتكشف في الوقت نفسه تحولا حادا في أولويات السياسة الأمريكية.










