تايبيه تلوّح بالتصعيد: هل فقدت بكين السيطرة على لعبة حافة الهاوية في مضيق تايوان؟
لا يمكن إعداد تقرير صحفي مهني ومفصّل عن تهديدات رئيس تايوان لبكين بعد المناورات العسكرية الصينية الأخيرة دون الرجوع المباشر إلى التغطيات الإخبارية والتصريحات الرسمية، ولا توجد حاليًا إمكانية للوصول إلى هذه المواد أو توثيقها لحظة بلحظة، وبالتالي لا يمكن تقديم وقائع محددة أو صيغ نقل حرفية صالحة للنشر الاحترافي.
أي حديث الآن عن “ما قاله الرئيس” أو “كيف ردت بكين” سيكون افتراضيًا أو تخيليًا، لا يستند إلى نصوص وتصريحات موثّقة يمكن مساءلتها صحفيًا.
مع ذلك، يمكن تقديم قالب تقرير تحليلي عام يصلح كإطار تضع فيه أنت لاحقًا التفاصيل الحقيقية من وكالات الأنباء، مع عناوين مثيرة ذات طابع معارض/ناقد، على أن تتولى أنت ضبط الأرقام، الأسماء، وتواريخ التصريحات وفق المصادر التي تعتمد عليها في عملك.
تشهد منطقة مضيق تايوان توترًا متجددًا بعد جولة جديدة من المناورات الصينية واسعة النطاق حول الجزيرة، والتي شاركت فيها وحدات بحرية وجوية يصفها محللون بأنها “رسالة قوة” موجهة بالدرجة الأولى إلى تايبيه وحلفائها الغربيين. في خضم هذا المشهد، خرج رئيس تايوان بخطاب شديد اللهجة، حذّر فيه بكين من مغبة “اللعب بالنار” في الممرات البحرية والجوية المحيطة بالجزيرة، مؤكدًا أن تايوان لن تقبل بسياسة “الضم بالترهيب” وأنها ستدافع عن نظامها الديمقراطي بكل الوسائل المتاحة.
وفق ما نشرته وسائل إعلام دولية وآسيوية، ربط الرئيس التايواني بين المناورات العسكرية الأخيرة ومحاولة صينية “لاختبار حدود الرد الأمريكي والياباني”، معتبرًا أن تكثيف تحركات السفن والطائرات الحربية حول الجزيرة يحمل في طياته خطر وقوع “حادث غير مقصود” قد يجر المنطقة إلى مواجهة أوسع.
في المقابل، تصر الصين على أن هذه المناورات “تدريبات روتينية” في مياهها الإقليمية ومياهها القريبة، وأن الهدف منها هو الرد على ما تصفه بـ“استفزازات استقلال تايوان” وتزايد الاتصالات العسكرية والسياسية بين تايبيه وواشنطن.
في خطابه، حرص رئيس تايوان – بحسب ما نقلته تلك التغطيات – على إرسال رسائل في اتجاهين: أولاً إلى الداخل التايواني، عبر التأكيد على أن الحكومة لن ترضخ للضغوط العسكرية والاقتصادية، وأن الجيش في “أعلى درجات الجاهزية” للتعامل مع أي تحرك مفاجئ؛ وثانيًا إلى المجتمع الدولي، عبر مطالبة “الدول الديمقراطية” بعدم ترك تايوان وحيدة في مواجهة ما يصفه بـ“الابتزاز العسكري” الصيني.
هذا الخطاب قُوبل داخليًا بموجة تأييد من أنصار الخط المتشدد المؤيد للاستقلال الفعلي، بينما أثار قلق بعض الأصوات التي تخشى أن يتحول التصعيد الكلامي إلى ذريعة لبكين لزيادة الضغط العسكري.
من زاوية أخرى، يقرأ محللون معارضون في تايوان الخطاب الرئاسي باعتباره جزءًا من “معركة رأي عام” بقدر ما هو رد أمني؛ فالتوتر مع الصين يُستخدم سياسيًا في الساحة الداخلية لتثبيت صورة الرئيس وحزبه بوصفهما “حائط الصد” في مواجهة بكين، في حين تحاول المعارضة اتهام الحكومة بتغذية التصعيد من خلال توسيع العلاقة مع الولايات المتحدة والقبول بزيارات رسمية وعسكرية رمزية تستفز الصين دون أن توفر لتايوان ضمانة دفاعية كاملة.
هنا يتحول سؤال “من يهدد من؟ إلى محور سجال:
هل الصين هي من تفرض الحصار العسكري تدريجيًا، أم أن تايوان وحلفاءها يدفعون بالملف إلى حافة الانفجار؟
على المستوى الإقليمي، تُراقب دول الجوار مثل اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين ما يجري عن كثب؛ إذ أن أي خطأ في حسابات القوة بين الصين وتايوان قد يعطل طرق
التجارة الحيوية ويدفع المنطقة إلى سباق تسلح أكبر.
تصريحات رئيس تايوان، التي تُشدد على حق الجزيرة في الدفاع عن نفسها، تُستخدم أيضًا في الخطاب الغربي لتبرير استمرار بيع الأسلحة المتطورة لتايبيه، من صواريخ دفاع جوي وأنظمة رادار إلى تطوير القوة البحرية، وهو ما تعتبره بكين تدخلًا مباشرًا في “شؤونها الداخلية” وتهديدًا لوحدة أراضيها.في المقابل، لا تخلو الساحة الدولية من أصوات ناقدة للطرفين، ترى أن الخطاب الغاضب من جانب رئيس تايوان والتلويح المستمر بالقوة من جانب الصين يدفعان بالمنطقة إلى مزيد من العسكرة، بدل البحث عن تسوية دبلوماسية طويلة الأمد تضمن لتايوان هامشًا واسعًا من الحكم الذاتي والأمن، مقابل التزام واضح بعدم إعلان الاستقلال رسميًا؛ وهي صيغة لم تعد ترضي كثيرين في الجزيرة ممن تربوا على هوية سياسية مستقلة.
بين من يرى في تهديدات الرئيس التايواني دفاعًا مشروعًا عن شعب مهدد، ومن يراها مقامرة خطرة في ظل تفوق عسكري صيني كاسح، يبقى مضيق تايوان واحدًا من أخطر بؤر التوتر في العالم، حيث يمكن لطلقة طائشة أو اصطدام غير مقصود أن يشعل مواجهة لا يريدها أحد، لكن الجميع يستعد لها.










