أزمة فكّة أم أزمة عدالة؟ …لماذا يتحدث المسؤولون عن رفع تذكرة المترو بدل حل نزيف الخسائر؟
الجدل المثار حاليًا حول “رفع أسعار تذاكر المترو” في مصر يدور بين واقع زيادات تمت بالفعل في 2024 و2025، وحديث رسمي عن احتمال رفع الشريحة الأولى مستقبلًا من 8 إلى 10 جنيهات، مقابل نفي حكومي حتى الآن لصدور أي قرار جديد فعلي برفع الأسعار بداية 2026.
هيئة الأنفاق ووزارة النقل تؤكد أن الأسعار الحالية ما زالت كما هي بعد آخر زيادة (8 – 10 – 15 – 20 جنيهًا حسب عدد المحطات)، بينما أشعلت تصريحات رئيس الهيئة عن “أزمة الفكّة” واحتمال رفع التذكرة إلى 10 جنيهات غضبًا واسعًا على السوشيال ميديا خوفًا من موجة غلاء جديدة تضرب أحد أهم وسائل النقل الشعبي في القاهرة الكبرى.
رفع أسعار المترو… دعم للمشروعات الجديدة أم عقاب لراكب لا يملك بديلًا؟”
ما هي الأسعار الحالية بالفعل؟
آخر زيادة رسمية على أسعار تذاكر المترو جاءت مع نهاية 2024 واستمر العمل بها طوال 2025، حيث أصبحت التذكرة: 8 جنيهات حتى 9 محطات، 10 جنيهات من 10 إلى 16 محطة، 15 جنيهًا من 17 إلى 23 محطة، و20 جنيهًا لما يزيد على 23 محطة، بدلًا من 6 – 8 – 12 – 15 على الترتيب.
هذه الزيادة صاحبتها تحويل التسعير بالكامل إلى نظام شرائح يعتمد على عدد المحطات لا “التسعيرة الموحدة”، مع استمرار وجود اشتراكات مخفّضة للطلبة وذوي الإعاقة وبعض الفئات، لكنها لم تمنع شعور قطاعات واسعة من الركاب بأن المترو فقد جزءًا كبيرًا من ميزة “الرخص الشديد” التي تميّزه تاريخيًا عن باقي وسائل النقل.
أصل القصة:
تصريح “أزمة الفكّة”الشرارة الأخيرة جاءت من تصريح لرئيس الهيئة القومية للأنفاق طارق جويلي، تحدّث فيه عن نقص يومي في الفكة يقدَّر بنحو 300 ألف جنيه داخل محطات المترو، ما يخلق “أزمة عملية” في تحصيل قيمة التذكرة، ويفتح باب التفكير – من وجهة نظره – في رفع أقل شريحة من 8 إلى 10 جنيهات لتجاوز معضلة الكسر النقدي.
رئيس الهيئة ربط أيضًا بين أي زيادات محتملة وبين الخسائر الكبيرة التي يتعرض لها المرفق بسبب ارتفاع تكلفة التشغيل والصيانة، وارتفاع أسعار الطاقة وقطع الغيار، وتمويل مشروعات توسعة الشبكة (الخطين الثالث والرابع، المونوريل، والقطار الكهربائي)، في إشارة إلى أن التذكرة الحالية لا تغطي التكلفة الفعلية للراكب.
هل صدر قرار فعلي برفع الأسعار؟
حتى الآن، لا يوجد قرار رسمي منشور عن مجلس الوزراء أو وزارة النقل برفع جديد لسعر تذكرة المترو مع بداية 2026؛ بيانات حكومية سابقة في ملفات أخرى (مثل الكهرباء والوقود) حرصت على طمأنة المواطنين بعدم وجود زيادات جديدة في يناير، وفي ملف المترو تحديدًا، صدرت أكثر من مرة نفيّات رسمية لأي أخبار عن زيادة فورية في الأسعار، مع التأكيد أن “أي تعديل يُعلن مسبقًا”.
الفارق أن هذه المرة، مصدر الجدل ليس “شائعة فيسبوك” فقط، بل تصريح مباشر من رئيس هيئة مسؤولة يتحدث عن احتمالية رفع الشريحة الأولى إلى 10 جنيهات، ما يجعل الحديث أقرب إلى “سيناريو قيد الدراسة” وليس قرارًا صادرًا بالفعل، ويُبقي الباب مفتوحًا أمام تحرك حكومي لاحق إذا استمر الضغط المالي على المرفق.
أسباب اقتصادية وراء الضغوط على التسعيرة
شبكة مترو القاهرة تنقل ملايين الركاب يوميًا في ظل تضخم كبير وتراجع لقيمة الجنيه، بينما تعتمد في تمويلها على إيرادات التذاكر، إلى جانب عوائد الإعلانات والأنشطة التجارية واستخدام الأرصفة والأراضي، وهي مصادر تقول هيئة الأنفاق إنها ما زالت غير كافية لتغطية كامل تكلفة التشغيل والتوسعات.
الحكومة تبرر الزيادات المتتالية في أسعار النقل (مترو – قطارات – أتوبيسات – ميكروباصات) بأنها “ضرورة اقتصادية” بعد رفع أسعار الوقود والكهرباء، بينما يرى منتقدون أن تحميل الراكب جزءًا من فاتورة مشروعات كبرى لم يستفد منها بعد، مثل خطوط جديدة لم تُستكمل أو مناطق لم تصلها الخدمة، يفتقد إلى العدالة الاجتماعية، خاصة أن المترو هو وسيلة النقل شبه الوحيدة لشرائح محدودة الدخل في العاصمة.
بين نفي الحكومة وخوف الشارع
في المقابل، يظل الشارع متوجسًا من أي حديث عن “دراسة زيادة”؛ فخبرة السنوات الماضية تقول إن كثيرًا من القرارات تبدأ بتصريحات تمهيدية عن “خسائر المرفق” و“عدم كفاية التذكرة”، ثم تتحوّل بعد أشهر قليلة إلى زيادة فعلية تعلن في منتصف ليلة أو صباح يوم عمل عادي، ما يفسر حدة ردود الفعل هذه المرة على مجرد ذكر احتمال رفع التذكرة إلى 10 جنيهات.
ما بين أرقام العجز التي تعلنها الحكومة ومعاناة المواطن اليومية في المواصلات، يبقى ملف تذاكر المترو نموذجًا لصدام مستمر: دولة تبحث عن مخرج من أزمة تمويل المرافق في ظل تضخم وديون، وراكب يشعر بأن كل زيادات الأسعار تأتي على حساب القوت اليومي وأبسط حقوقه في وسيلة نقل آمنة ورخيصة، وهو ما يجعل أي خطوة مقبلة في هذا الملف مرشحة لأن تكون محط جدل سياسي واجتماعي واسع، لا مجرد تعديل فني في “تسعيرة” على بوابات المترو.










