طهران ومدن أخرى تشتعل: مواجهات دامية بين المحتجين وقوات الأمن
تتواصل الاحتجاجات في إيران لليوم الخامس وسط صدامات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، وسقوط قتلى وجرحى، مع هتافات مناهضة للنظام وسيطرة محتجين على مواقع أمنية في عدة مدن.
لليوم الخامس على التوالي، تواصل الاحتجاجات في إيران تمددها الجغرافي وتصعيدها الميداني، في مشهد يعكس تحوّلًا نوعيًا من تظاهرات مطلبية متفرقة إلى مواجهة مفتوحة بين الشارع الغاضب وأجهزة الدولة الأمنية. فالعاصمة طهران، إلى جانب عشرات المدن، باتت مسرحًا لصدامات دامية، تؤشر إلى تآكل قدرة السلطة على احتواء الغضب الشعبي بالأساليب التقليدية.
وبحسب ما أوردته وكالة أنباء “هرانا” الحقوقية، أسفرت الاحتجاجات خلال خمسة أيام فقط عن مقتل 7 أشخاص، واعتقال ما لا يقل عن 119 مواطنًا، إضافة إلى إصابة أكثر من 33 آخرين، في حصيلة مرشحة للارتفاع مع اتساع رقعة المواجهات لتشمل 32 مدينة إيرانية. هذه الأرقام، وإن بدت محدودة قياسًا بحجم البلاد، فإن دلالتها السياسية أكبر بكثير، إذ تكشف عن تصدع عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
طهران… حين يفقد الأمن السيطرة
في العاصمة، لم تعد الاحتجاجات مجرد مسيرات أو هتافات عابرة. مقاطع الفيديو المتداولة أظهرت اشتباكات مباشرة، وسيطرة محتجين على مراكز أمنية وُصفت بـ”الحساسة”، وهو تطور غير مسبوق منذ سنوات. هذا المشهد يضرب في صميم صورة “الدولة القوية” التي حرص النظام الإيراني على ترسيخها، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى تماسك المنظومة الأمنية في حال استمرار الضغط الشعبي.
الهتافات التي دوّت في شوارع طهران ومدن أخرى لم تترك مجالًا للتأويل؛ إذ تجاوزت المطالب المعيشية أو الحقوقية لتصل إلى صلب الشرعية السياسية. “الموت للديكتاتور”، و”خامنئي سيرحل”، وشعارات مناهضة للحرس الثوري، وأخرى مؤيدة للأمير رضا بهلوي ورضا شاه بهلوي، جميعها تعكس كسرًا واضحًا لحاجز الخوف، وتحول الخطاب من الاحتجاج إلى التحدي العلني.
المرأة في قلب المشهد
اللافت أن شعارات دعم حقوق المرأة حضرت بقوة، مثل “النساء يعشن من أجل الحرية”، ما يعيد إلى الواجهة الدور المحوري للمرأة الإيرانية في موجات الاحتجاج الأخيرة. هذا الحضور لا يبدو رمزيًا فقط، بل يشير إلى أن الصراع بات مرتبطًا بنمط الحياة والحريات الشخصية، وليس مجرد خلاف سياسي عابر.
مدن تنتفض… والسلطة ترد بالاعتقالات
في أصفهان، وفارسان، وأسد آباد، وبندر عباس، تحدثت تقارير عن سيطرة محتجين، وُصفوا بـ”الشباب الثوار”، على مراكز أمنية تباعًا، في مشاهد تعكس حالة تمرد محلي يصعب احتواؤه أمنيًا دون كلفة عالية. وفي مدينة كوار بمحافظة فارس، أُضرمت النيران في الشوارع، في رسالة رمزية عن رفض شامل للنظام القائم.
في المقابل، لجأت السلطات إلى أسلوبها المعتاد: الاعتقالات واتهامات “الإخلال بالنظام العام”. وكالة “تسنيم” المقربة من الحرس الثوري أعلنت توقيف 30 شخصًا في غرب طهران، بعد ما وصفته بـ”عملية منسقة بين أجهزة الأمن والاستخبارات”، متهمة الموقوفين بمحاولة “زعزعة الاستقرار”. غير أن هذه اللغة، التي تكررت في كل موجات الاحتجاج السابقة، تبدو اليوم أقل تأثيرًا في ظل اتساع الغضب الشعبي.
إلى أين تتجه إيران؟
ما يجري في إيران لم يعد مجرد احتجاج عابر يمكن تطويقه بإجراءات أمنية محدودة. اتساع رقعة التظاهر، وحدة الشعارات، واستهداف رموز النظام مباشرة، كلها مؤشرات على أزمة أعمق تتعلق بشرعية الحكم وقدرته على الاستجابة لتطلعات جيل جديد لم يعد يقبل بالحلول الترقيعية.
السؤال المفتوح الآن ليس فقط: هل تستطيع السلطات قمع هذه الاحتجاجات؟ بل: بأي ثمن؟ فكل يوم يمر، تتراكم الخسائر السياسية والأخلاقية، ويزداد خطر الانزلاق نحو سيناريوهات أكثر عنفًا، قد تضع إيران أمام مفترق طرق تاريخي، لا يبدو أن القبضة الأمنية وحدها قادرة على حسمه.










