طائرات منخفضة وانقطاع كهرباء وانفجارات متتالية: هل بدأ فصل جديد من الحرب على فنزويلا؟
تشهد فنزويلا فجر اليوم السبت تصعيدًا خطيرًا بعد سماع سلسلة انفجارات في العاصمة كاراكاس ومحيطها، وسط اتهامات مباشرة من حكومة نيكولاس مادورو للولايات المتحدة بشن هجمات على منشآت مدنية وعسكرية في أكثر من ولاية.
وتترافق أصوات الانفجارات مع تحليق طائرات على علو منخفض وانقطاع الكهرباء عن مناطق قريبة من قواعد عسكرية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة بين كاراكاس وواشنطن في لحظة توتر إقليمي شديدة الحساسية.
ما الذي حدث ليل السبت؟
تشير المعلومات الأولية إلى سماع ما لا يقل عن سبعة انفجارات في أرجاء العاصمة كاراكاس قرابة الثانية فجر اليوم السبت بالتوقيت المحلي، بالتزامن مع رصد طائرات تحلق على علو منخفض فوق المدينة.
وامتدت الأصوات إلى ولايات مجاورة بينها ميرندا وأراغوا ولا غوايرا، ما منح الانطباع بأن ما يجري ليس حادثًا معزولًا بل عملية واسعة النطاق تستهدف أكثر من موقع في وقت واحد.
شهود عيان تحدثوا عن اهتزاز الأرض وتصاعد دخان من محيط منشآت عسكرية رئيسية في كاراكاس، بينها قاعدة جوية ومجمعات عسكرية حساسة، فيما شوهدت أعمدة الدخان من أحياء سكنية عدة.
وفي جنوب العاصمة، القريب من واحدة من أهم القواعد العسكرية، سُجّل انقطاع واسع للتيار الكهربائي، ما زاد حالة الهلع بين السكان الذين نزل كثير منهم إلى الشوارع بحثًا عن مكان أكثر أمانًا أو على الأقل لمحاولة فهم ما يحدث.
اتهامات مباشرة لواشنطن
لم تنتظر حكومة مادورو طويلًا؛ إذ أصدرت بيانًا حادّ اللهجة يتهم «الحكومة الحالية للولايات المتحدة» بتنفيذ «عدوان عسكري خطير» على الأراضي والمنشآت الفنزويلية، شمل أهدافًا مدنية وعسكرية في أكثر من ولاية في وقت متزامن.
وجاء في البيان أن الهدف من هذه الهجمات هو «الاستيلاء على الموارد الاستراتيجية لفنزويلا، وعلى رأسها النفط والمعادن، وكسر استقلالها السياسي بالقوة»، في لغة تعود إلى ذروة الخطاب المناهض لواشنطن في المنطقة.
الحكومة الفنزويلية دعت في بيانها «القوى الاجتماعية والسياسية» في الداخل إلى تفعيل خطط التعبئة الشعبية، في إشارة إلى الاستعداد لتحويل الحدث إلى معركة سياسية داخلية تحت عنوان «الدفاع عن السيادة»
كما أعلن مادورو التوقيع على مرسوم «حالة اضطراب خارجي» يُفترض أن يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية في إدارة الوضع الأمني والعسكري والإعلامي خلال الفترة المقبلة.
صمت أمريكي وحسابات قوة
في المقابل، لم تصدر عن البيت الأبيض أو البنتاغون حتى لحظة كتابة هذا التقرير أي تعليقات رسمية على الاتهامات الفنزويلية، رغم أن تقارير صحفية في واشنطن نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن الرئيس دونالد ترامب أصدر أوامر بتنفيذ ضربات داخل الأراضي الفنزويلية.
ويأتي هذا التطور بعد شهور من تصعيد أمريكي تحت عنوان استهداف «قوارب تهريب المخدرات» في البحر الكاريبي ومحيطه، قبل أن يتطور إلى عمليات على البر داخل فنزويلا خلال الأسابيع الماضية.
الرئيس الفنزويلي كان قد اتهم الولايات المتحدة مؤخرًا بالسعي إلى تغيير النظام بالقوة، وفتح الطريق للوصول إلى احتياطيات النفط الهائلة في البلاد، مستشهدًا بانتشار عسكري أمريكي واسع في البحر الكاريبي منذ أغسطس الماضي.
كما اتهم أجهزة استخبارات أمريكية، بينها وكالة الاستخبارات المركزية، بالوقوف وراء هجمات سابقة بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع يشتبه باستخدامها من قبل شبكات تهريب المخدرات داخل فنزويلا.
الشارع الفنزويلي بين الخوف والشك
في شوارع كاراكاس، يعيش المواطنون بين خوف حقيقي من تطور الأوضاع عسكريًا، وشك عميق في الرواية الرسمية التي قد تستغل الحدث لتشديد القبضة الأمنية.
شهادات من سكان أحياء عدة تصف حالة ذعر مع اهتزاز المباني وسماع أصوات الطائرات والانفجارات، مع شعور بأن البلاد دخلت عمليًا أجواء حرب ولو دون إعلان رسمي حتى الآن.
لكن في المقابل، يتساءل جزء من الرأي العام الفنزويلي والمعارضة عما إذا كان النظام سيستخدم هذه التطورات لتبرير مزيد من القمع السياسي، وإغلاق ما تبقى من منافذ للاحتجاج أو التنظيم، تحت شعار مواجهة «عدوان خارجي».
فإعلان حالة الاضطراب الخارجي يمنح السلطة صلاحيات واسعة قد تطال الإعلام والمعارضة والشارع، في بلد يعيش أصلًا أزمة اقتصادية خانقة وهجرة واسعة وانهيارًا في الخدمات الأساسية.
إلى أين تتجه الأزمة؟
استهداف مواقع عسكرية ومدنية متزامنة في أكثر من ولاية، وفق الرواية الرسمية، يضع فنزويلا أمام سيناريو تصعيد مفتوح قد يتجاوز حدود «رسائل الضغط» إلى مسار طويل من الاستنزاف الأمني والعسكري.
فالولايات المتحدة، التي تتهم كاراكاس بالتغطية على شبكات تهريب المخدرات والتحالف مع قوى مناهضة لها في المنطقة، قد ترى في الضربات المحدودة وسيلة لتغيير قواعد اللعبة دون الدخول في حرب شاملة، بينما يراها مادورو فرصة لتعزيز خطاب «الحصار والعدوان» لتوحيد الداخل حوله.
في هذه الأثناء، يبقى المواطن الفنزويلي هو الخاسر الأكبر؛ يعيش تحت سماء مهددة بانفجارات محتملة، وأرض منهكة بأزمة اقتصادية وتضخم وفقر تاريخي، وسلطة ترى في الخطر الخارجي ذريعة لإطالة عمرها، وقوة دولية كبرى تتعامل مع بلاده كساحة صراع على النفط والنفوذ والجغرافيا.
وبين صوت الطائرات المنخفضة وقعقعة الانفجارات الليلية، يبدو أن فنزويلا تدخل فصلًا جديدًا من أزمتها المزمنة، عنوانه هذه المرة: حرب بلا إعلان، وعدوان بلا اعتراف، وشعب عالق بين نارين لا يملك قرار اشتعالهما ولا إطفائهما.










