الجنوب العربي يعلن دولته: حلم التاريخ يصطدم بواقع الانقسام
في خطوة وُصفت بأنها “تاريخية ومثيرة للجدل”، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، مساء أمس، قيام “دولة الجنوب العربي” كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة، واختيرت مدينة عدن عاصمة رسمية لها، وسط احتفالات جماهيرية من أنصار الانفصال، وقلق متزايد في الأوساط السياسية الإقليمية والدولية من تداعيات القرار على مستقبل اليمن والمنطقة بأكملها.
الإعلان جاء بعد سنوات من التوتر بين الجنوب والشمال، وتراجع محاولات التسوية التي قادتها الأمم المتحدة لإعادة توحيد الصف اليمني بعد الحرب الطويلة.
وأكد المتحدث باسم المجلس في بيان رسمي بثّ من عدن أن “الشعب الجنوبي مارس حقه المشروع في تقرير مصيره، بعد عقود من التهميش والإقصاء”
.خلفية الصراع والانقسام
يعود تاريخ المطالبة بدولة جنوبية مستقلة إلى ما قبل الوحدة اليمنية عام 1990، حين كانت هناك دولتان منفصلتان: جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب والجمهورية العربية اليمنية في الشمال.
غير أن الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1994 كانت نقطة التحول التي أعادت تأجيج مشاعر الانقسام، وصولاً إلى تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي في عام 2017 بدعم إقليمي غير مباشر.منذ ذلك الحين، تحولت عدن ومحيطها إلى ساحة صراع بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً من جهة، ومسلحي المجلس الانتقالي الجنوبي من جهة أخرى، مع تدخلات متشابكة من قوى إقليمية أبرزها الإمارات والسعودية.
موقف القوى الإقليمية والدولية
الردود الإقليمية على إعلان “دولة الجنوب العربي” جاءت متباينة. فقد أعلنت الرياض في بيان لوزارة خارجيتها “أن المملكة تتابع التطورات بقلق بالغ وتدعو إلى ضبط النفس والتمسك بوحدة اليمن واستقراره”، فيما التزمت أبوظبي الصمت الرسمي، مكتفية بتأكيد “ضرورة الحل السياسي الشامل”.
أما الأمم المتحدة فقد حذرت من “مخاطر تفكك الدولة اليمنية وعودة النزاع المسلح على نطاق واسع”، داعية جميع الأطراف إلى الحوار العاجل لتجنب إشعال مواجهة جديدة في الجنوب.
في المقابل، اعتبر قادة المجلس الانتقالي أن “الخطوة تمتثل لإرادة الشعب”، مشيرين إلى أن “الاعتراف الدولي قادم لا محالة” وأن الدولة الجديدة ستعتمد “سياسة الانفتاح والتعاون مع جوارها الخليجي والعربي”.
الشارع الجنوبي… بين الفرح والريبة
تفاوتت ردود فعل الشارع الجنوبي بين التأييد المفعم بالأمل والخشية من المجهول. في عدن، خرج المئات إلى الشوارع رافعين علم الدولة الجديدة، مرددين شعارات الاستقلال.
يقول أحد سكان المدينة: “نعيش لحظة تاريخية ناضلنا من أجلها منذ سنوات طويلة”.
لكن في المقابل، أعرب آخرون عن قلقهم من غياب البنية المؤسسية والاقتصادية التي تتيح لدولة الجنوب العربي الوقوف على قدميها. فالوضع الأمني الهش وتراجع الخدمات العامة وانهيار البنية التحتية كلها تحديات ثقيلة أمام أي كيان ناشئ.التداعيات الاقتصادية والسياسيةإعلان الدولة الجديدة يفتح الباب أمام تساؤلات حول مصير الثروات النفطية في شبوة وحضرموت، وموقع الموانئ الحيوية مثل عدن والمكلا.
كما يثير مخاوف من تفكك النظام المالي، خاصة أن العملة اليمنية الموحدة فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها خلال الأشهر الأخيرة.ويرى محللون أن هذا التطور “سيعيد رسم خريطة التحالفات في اليمن والخليج”، إذ قد تضطر بعض الدول إلى إعادة حساباتها السياسية والعسكرية، لا سيما في ظل ما يوصف بـ“اليمن المقسم” بين نفوذ حوثي في الشمال وسلطة جنوبية ناشئة في عدن.
مستقبل غامض وعواصم مترقبة
رغم الحماس الشعبي في الجنوب، يدرك القادة الجنوبيون أن الاعتراف الدولي لن يأتي بسهولة. فالمجتمع الدولي ما زال يعترف بـ“الحكومة اليمنية الشرعية” في صنعاء والمجلس الرئاسي بقيادة رشاد العليمي.
ومع ذلك، يراهن المجلس الانتقالي الجنوبي على “الواقع الميداني” والسيطرة الفعلية على الأرض لجذب الاعتراف التدريجي.
وفي ظل صمت حذر من العواصم العربية، تبقى الأنظار متجهة نحو عدن التي تعود مجددًا إلى دائرة الضوء كعاصمة سياسية مؤقتة لدولة ناشئة تواجه اختبار الشرعية والوجود.
يخلص مراقبون إلى أن “دولة الجنوب العربي” تمثل بداية فصل جديد في التاريخ اليمني المعاصر، ربما يحمل معه فرصًا للسلام المحلي والانفراج الاقتصادي، لكنه في الوقت نفسه ينذر بجولة جديدة من الصراع إذا فشلت القوى الإقليمية والدولية في احتواء الموقف.










