سقوط الحلفاء يهدد نفوذ إيران: دروس فنزويلا وسوريا على الطاولة
سقوط نيكولاس مادورو في فنزويلا يطرح تساؤلات استراتيجية لطهران، في ظل تراجع ثقة إيران في حلفائها من دمشق إلى كاراكاس، وأزمة اقتصادية واجتماعية خانقة تضع النظام أمام اختبار حاسم.
طهران – وسط تصاعد التوترات الدولية والضغوط الداخلية المتفاقمة، تواجه إيران مرحلة شديدة الحساسية بعد سقوط حلفائها في ميادين القوة العالمية، من دمشق إلى كاراكاس. ويطرح سقوط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أكثر من سؤال حول الرسائل الجيوسياسية التي يحملها هذا الحدث لطهران، في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وازدياد الاحتجاجات الشعبية، وتراجع ثقة إيران في حلفائها التقليديين.
تطورات دولية متسارعة في بداية 2026
مع بزوغ عام 2026، تزامنت عدة تطورات جيوسياسية مهمة دفعة واحدة، ما أعاد تسليط الضوء على السياسة الأميركية الخارجية وتداعياتها على حلفاء وخصوم واشنطن. تشمل هذه التطورات:
• سقوط حكومة مادورو في فنزويلا بعد هجوم أميركي واسع ونقل الرئيس خارج البلاد.
• عمليات عسكرية ضد مواقع تنظيم داعش في شمال نيجيريا بطلب من حكومة أبوجا.
• تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تستهدف إيران مباشرة.
ويرى مراقبون أن القاسم المشترك بين هذه الدول– إيران وفنزويلا ونيجيريا – هو كونها دولاً نفطية، ما يُثير تساؤلات حول دور الولايات المتحدة في إعادة تشكيل المعادلات النفطية العالمية وربما تأثيرها على منظمة أوبك.
لماذا يهم سقوط مادورو إيران؟
لم يكن سقوط نيكولاس مادورو مجرد تحول سياسي داخل فنزويلا، بل حدث ذو أهمية مضاعفة لطهران، لأن كراكاس كانت من أقرب حلفاء إيران خلال السنوات الماضية، وشهدت علاقات اقتصادية ونفطية وأمنية متنامية بين البلدين، شملت:
• تعاونًا في مجال النفط والطاقة.
• مشاريع اقتصادية ولوجستية بمليارات الدولارات، خاصة من جهات مرتبطة بالحرس الثوري.
• تقارب أيديولوجي قائم على معارضة النفوذ الأميركي.
اليوم، ومع سقوط الحكومة، يظل مصير هذه الاستثمارات غير واضح، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعصف بإيران، ونقص العملة الصعبة، وتراجع الموارد، ما يضع طهران أمام تحديات مالية وسياسية كبيرة.
الاحتجاجات الإيرانية وظلال التطورات الخارجية
وسط هذه الوقائع، دخلت الاحتجاجات الشعبية في إيران مرحلة جديدة، وتوسعت لتشمل عدة مدن، بينما لا يمكن فصْل تصاعد الاضطرابات الداخلية عن الأحداث الخارجية. فبعد الحرب التي استمرت 12 يوماً، ظهر ما وصفه محللون بـ”الشرخ الأمني” في البنية الدفاعية الإيرانية، ما زاد من قلق النخبة الحاكمة. وفي هذا السياق، أدلى المرشد الأعلى علي خامنئي بتصريحات حادة ضد المعارضين، مؤكداً أنه “لن يتراجع أمام محاولات إسقاط النظام” وأنه “سيجبر العدو على الركوع”.
من دمشق إلى كاراكاس… انتكاسات الحلفاء
تجارب كل من سوريا وفنزويلا تلقيان تساؤلات حول دور روسيا في دعم حلفائها. ففي كلتا الحالتين، رغم الدعم السياسي والدبلوماسي الروسي، سقط النظامان بوتيرة متسارعة. ويرى محللون أن هذا يشير إلى أن موسكو قد تعطي الأولوية لمصالحها الذاتية على الالتزامات الاستراتيجية، خاصة حين يتعلق الأمر بتجنب التصعيد مع الولايات المتحدة أو حلفائها.
هل الشرق ضمان أم هشاشة؟
اعتمدت إيران في العقود الأخيرة بشكل واضح على علاقات استراتيجية مع كل من روسيا والصين، بما في ذلك:
• اتفاق تعاون طويل الأمد مع موسكو لمدة 20 عاماً.
• شراكات في الطاقة، الملف النووي، ومواجهة النفوذ الغربي.
إلا أن هذه العلاقات برزت كـقرة تكتيكية أكثر من كونها ضمانًا استراتيجيًا دائمًا. فروسيا، كما يعتقد كثير من الخبراء، قد تتخلى عن التزاماتها إذا ما تغيرت المصالح. أما الصين، فتعاملت مع إيران بشكل براغماتي بحت، معتبرة إياها شريكاً في الطاقة فقط دون الالتزام بالمواجهات الكبرى مع الغرب.
اقتصاد منهك ووعود بلا جدوى
تواجه إيران أزمة اقتصادية خانقة نتيجة العقوبات والفساد البنيوي، والتضخم الحاد، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين. ويُنظر إلى الوعود الحكومية بتحسين المعيشة على أنها حلول مؤقتة أو “دواء بعد فوات الأوان”، غير قادرة على تهدئة الغضب الشعبي أو معالجة الجروح البنيوية في الاقتصاد.
ماذا يعني سقوط الحلفاء لطهران؟
يثير سقوط حلفاء إيران، من دمشق إلى كاراكاس، تساؤلاً حاسماً:
هل هذا مجرد نتيجة لظروف داخلية في كل دولة، أم أنه مؤشر على تحول في نهج القوى الكبرى نحو حلفائها المتشددين؟
الرسالة الأولى ترجع إلى هشاشة الاعتماد على شركاء استراتيجيين أمام مصالح القوى الكبرى. الرسالة الثانية أن الضغوط الخارجية والداخلية معاً يمكن أن تقوّض حتى التحالفات التي بدت قوية سابقاً. وفي ظل استمرار الاحتجاجات داخلياً، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، باتت إيران تواجه اختباراً استراتيجياً شاملاً في أكثر مراحلها تعقيداً منذ سنوات طويلة.










