تحالفات النفط تتغير: هل يُعيد العالم رسم خريطة الطاقة بعد الأزمة الفنزويلية؟
تتجه أنظار الأسواق العالمية نحو فنزويلا بعد التطورات السياسية والاقتصادية الأخيرة التي أثارت مخاوف المستثمرين من اضطرابات جديدة في سوق النفط العالمي. فالدولة اللاتينية التي تمتلك نحو 18% من احتياطيات النفط العالمية المؤكدة تجد نفسها مجددًا في قلب المشهد، بعدما تحولت من مصدر رئيسي للطاقة إلى بؤرة توتر جيوسياسي قد يعيد رسم خريطة سوق النفط خلال العام 2026.
فنزويلا مجددًا في الواجهة
منذ إعلان الحكومة الفنزويلية عن تغييرات داخلية مفاجئة في قطاع الطاقة، وإشارات عن احتمال إعادة هيكلة اتفاقاتها مع بعض الشركاء الدوليين، اشتعلت التكهنات في الأسواق حول مستقبل الإمدادات الفنزويلية.
هذه التطورات جاءت بعد فترة قصيرة من تحسّن تدريجي في الإنتاج بفضل تخفيف بعض العقوبات الأمريكية، قبل أن يعيد الغموض السياسي الأمور إلى نقطة الصفر.ويقول خبراء الطاقة إن أي اضطراب جديد في فنزويلا ستكون له تداعيات مباشرة على السوق، نظرًا لأن
البلاد تُمثّل عنصرًا أساسيًا في توازن الإمدادات العالمية.
ورغم أن صادراتها الحالية لا تتجاوز مليوني برميل يوميًا، إلا أن تأثيرها النفسي على السوق أكبر بكثير من حجمها الفعلي، خاصة مع انحسار المعروض من مناطق أخرى.
أسعار النفط عند مفترق طرق
تشير التحليلات المبدئية إلى أن أسعار النفط مرشحة لتسجيل قفزة تتراوح بين 10 إلى 15 دولارًا للبرميل خلال الربع الأول من عام 2026، إذا استمرت الأزمة الفنزويلية دون حلول واضحة.
ويرجّح محللون أن يتراوح السعر بين 90 إلى 105 دولارات للبرميل، بناءً على قدرة منظمة أوبك+ على امتصاص الصدمة وزيادة الإنتاج من دول بديلة.
لكن بعض الخبراء يحذرون من أن الأزمة قد تتزامن مع عوامل أخرى تزيد من تقلب السوق، مثل التوتر في البحر الأحمر ونقص الاستثمارات الجديدة في قطاع النفط الصخري الأمريكي، ما يجعل من الأزمة الفنزويلية “القشة التي قد ترفع برميل النفط إلى أرقام قياسية جديدة”.
الدور الروسي-الصيني… والتوازن المفقودأحد أبرز الجوانب المثيرة في المشهد هو الموقف الروسي والصيني مما يجري في فنزويلا.
تقارير اقتصادية دولية تحدثت عن اتصالات مكثفة بين كاراكاس وموسكو وبكين لإعادة ترتيب اتفاقيات الطاقة بما يمنح الشركاء الآسيويين امتيازات أوسع في قطاع التكرير والتصدير مقابل دعم سياسي ولوجستي.
ويرى محللون أن دخول الصين بشكل أعمق في السوق الفنزويلية سيمكّنها من تنويع مصادر الإمداد وتقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، في حين تسعى روسيا إلى تثبيت موطئ قدم في أمريكا اللاتينية لموازنة النفوذ الأمريكي التقليدي في المنطقة.
هذا التحالف غير المباشر بين “الشرق النفطي الجديد” و”الموارد الفنزويلية” يخلق حالة عدم يقين لدى المستثمرين ويزيد المخاوف من احتمال استخدام الإمدادات النفطية كورقة ضغط سياسية خلال العام المقبل.
أوبك بين التهدئة والمناورة
في الأثناء، تجد منظمة أوبك نفسها أمام تحدٍ صعب، فهي مطالبة بالحفاظ على استقرار
الأسعار دون دفع السوق إلى حالة من التضخم المفرط.
مصادر من داخل المنظمة أشارت إلى أن بعض الأعضاء يقترحون “زيادة إنتاج تدريجية” لتعويض النقص المحتمل من فنزويلا، بينما تفضّل دول أخرى التريث للحفاظ على العائدات المرتفعة.
ويقول خبراء اقتصاديون إن الأزمة الحالية قد تشجّع بعض أعضاء أوبك على إعادة النظر في سياسة الحصص، خاصة في ظل المنافسة القادمة من روسيا والصين اللتين تسعيان إلى بسط نفوذهما على إنتاج أمريكا اللاتينية.
هذا الانقسام الداخلي قد يزيد من هشاشة موقف المنظمة ويجعلها أقل قدرة على الاستجابة السريعة للتغيرات.
التأثير المحتمل على الدول العربية
بالنسبة للدول العربية المنتجة للنفط، تمثل الأزمة الفنزويلية فرصة اقتصادية قصيرة المدى وقلقًا استراتيجيًا طويل الأجل.
فمن جهة توفر اضطرابات الإمدادات في أمريكا اللاتينية فرصة لزيادة الحصة السوقية للدول الخليجية ورفع العائدات النفطية، ومن جهة أخرى، تنذر بتقلبات حادة في الأسعار قد تؤثر على الاستقرار المالي وخطط التنمية.
في هذا السياق، أكدت تقارير اقتصادية خليجية أن العام 2026 قد يكون عامًا “ذهبيًا مؤقتًا” لبعض الشركات النفطية، لكنه سيضع ضغوطًا على الاقتصادات المستقبلة للطاقة التي ستعاني من ارتفاع كلفة النقل والتصنيع.
التغيرات في الطلب العالميعلى الجانب الآخر، لا يمكن إغفال دور آسيا في تحديد اتجاه السوق. إذ تستعد الصين والهند – أكبر مستهلكين للطاقة بعد الولايات المتحدة – لتعزيز المخزون الاستراتيجي تحسبًا لأي اضطرابٍ جديد. هذا الطلب الإضافي قد يسرّع من موجة ارتفاع الأسعار ويعيد الأسواق إلى مستويات ما قبل الجائحة.
كما يتوقع محللون أن تؤدي الأزمة الفنزويلية إلى دفع الاتحاد الأوروبي لتسريع برامج التحول إلى الطاقة البديلة، خاصة مع تصاعد المخاوف من الاعتماد المفرط على مصادر غير مستقرة سياسيًا.
ختامًا… سوق في حالة ترقب
تظل أسواق النفط في حالة ترقب دقيقة لما ستؤول إليه التطورات في فنزويلا. فالعالم اليوم يقف عند نقطة تحول حقيقية: إما أن تنجح القوى الكبرى في احتواء الأزمة والحفاظ على استقرار أسعار الطاقة، أو يُعاد رسم خريطة سوق النفط بالكامل بظهور تحالفات جديدة قد تغيّر موازين القوة لعقود قادمة.
وفي جميع الحالات، يبدو أن النفط، كالعادة، سيبقى أداة السياسة الأكثر حساسية، وسلاحًا اقتصاديا لا يقل أهمية عن الجيوش والدبلوماسية في صراع القوى الكبرى حول العالم.










