مصري يدير ميزانية نيويورك: قصة صعود تلخص قوة المهاجرين وتثير قلق حراس المال التقليديين
مصري على خزائن نيويورك: من أحياء المهاجرين إلى إدارة 121 مليار دولار
يتصدر اسم شريف سليمان، الأمريكي من أصل مصري، واجهة الأخبار الاقتصادية والمالية العالمية بعد اختياره مديرًا لميزانية مدينة نيويورك، ليتولى الإشراف على واحدة من أضخم الميزانيات البلدية في العالم، تُقدَّر بما بين 115 و121 مليار دولار سنويًا.
هذا المنصب يجعله «العقل المالي» الأبرز في أكبر مدينة أمريكية، ومسؤولًا عن تحويل وعود العمدة الجديد زهران ممداني بشأن السكن والنقل والخدمات إلى أرقام وخطط قابلة للتنفيذ.
من هو شريف سليمان؟
شريف سليمان مصريّ الأصل، أمريكي المولد، ينحدر من عائلة مصرية مهاجرة استقرت في نيويورك قبل نحو أربعة عقود، ونشأ في أحياء المدينة نفسها التي سيدير اليوم ميزانيتها.
وصفته تقارير عربية وغربية بأنه واحد من أبرز الكفاءات المالية المحلية، بعد مسيرة تقارب 30 عامًا في الخدمة العامة والاستشارات المالية والسياسات العامة داخل المدينة.
قبل تعيينه مديرًا للميزانية، كان سليمان يشغل منصب كبير المسؤولين الماليين (CFO) ونائبًا أول لرئيس جامعة مدينة نيويورك CUNY، حيث نجح في تقليص العجز الهيكلي للجامعة بنحو 79%، وتأمين تمويل يقدَّر بـ1.5 مليار دولار لبرامج التعليم المبكر.
هذا السجل جعله مرشحًا مثاليًا أمام عمدة نيويورك الجديد الذي يبحث عن شخصية تجمع بين الانتماء الشعبي والخبرة التقنية في الملفات المالية المعقدة.
المناصب والخبرة قبل إدارة ميزانية نيويور كعمل شريف سليمان داخل ثلاث إدارات بلدية مختلفة في نيويورك، ما منحه خبرة عميقة في آليات الحكم المحلي وتعقيدات العلاقة بين السياسات والمال.
فقد بدأ مساره ممثلًا تشريعيًا ضمن إدارة مايكل بلومبرج، قبل أن ينتقل إلى إدارة بيل دي بلازيو حيث تولى منصب مفوض إدارة المالية، مسؤولًا عن تحصيل إيرادات سنوية تجاوزت 40 مليار دولار.
كما شغل منصب مسؤول السياسات والتنفيذ في إدارة العمدة إريك آدامز، ولعب دورًا في إدارة التحديات المالية المصاحبة لجائحة كورونا وتداعياتها على إيرادات المدينة وخدماتها.
هذا التنقل بين إدارات ذات توجهات سياسية مختلفة أعطاه صورة «الخبير المهني» القادر على العمل مع تيارات متباينة، وهو ما تحتاجه إدارة ممداني التقدمية وهي تدخل معركة موازنة صعبة.
حجم الميزانية والتحديات التي يواجهها
يتسلم سليمان إدارة مكتب الموازنة في لحظة حساسة؛ فميزانية نيويورك الحالية تتراوح حول 115–121 مليار دولار، وهي أضخم من ميزانيات دول كاملة مثل بعض البلدان المتوسطة الدخل.
في المقابل تكشف تقارير مكتب المراقب المالي للمدينة ومكتب الميزانية المستقل عن فجوة عجز تُقدَّر بما بين نحو 380 مليون دولار وأكثر من 2.1 مليار دولار في السنوات القريبة، ما يعني ضرورة تحقيق توازن دقيق بين الوعود السياسية والقيود المالية.
العمدة زهران ممداني وصل إلى المنصب على أساس أجندة «إتاحة القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة»، متعهدًا بسياسات مكلفة مثل النقل بالحافلات مجانًا بتكلفة تقارب 800 مليون دولار سنويًا، وتوسيع رعاية الأطفال بتكلفة قد تصل إلى 6 مليارات دولار سنويًا.
تحويل هذه الوعود إلى أرقام في موازنة متوازنة هو التحدي المباشر أمام سليمان، الذي أكد في تصريحات إعلامية أن المدينة لم تعرف عجزًا غير متوازن منذ 1981، وأنه لا ينوي أن يكون أول من يكسر هذه القاعدة.
قراءة سياسية ورمزية لصعوده
تعيين شريف سليمان يُقرأ على نطاق واسع باعتباره رسالة سياسية مزدوجة: من جهة إبراز صعود أبناء المهاجرين، وخاصة ذوي الأصول العربية والمسلمة، إلى مواقع صنع القرار المالي في واحدة من أهم مدن العالم، ومن جهة أخرى رهان على technocrat قادر على «ترويض» أجندة يسارية طموحة بأدوات مالية واقعية.
تقارير اقتصادية عربية لفتت إلى أن وجود مصري على رأس ميزانية نيويورك يفتح أيضًا نقاشًا داخل المنطقة حول هجرة الكفاءات، ومدى قدرة الدول العربية على استيعاب خبرات مشابهة داخل مؤسساتها لا في الخارج فقط.
في الداخل الأمريكي، يثير التعيين جدلًا بين متفائل يرى في سليمان فرصة لتحقيق إنفاق اجتماعي أكثر عدالة دون إفلاس المدينة، وبين متخوف من أن تؤدي وعود الإنفاق الكبير إلى ضغط إضافي على دافعي الضرائب إذا لم تُدار الأرقام بحذر شديد.
وبين الحماسة والقلق، يبدو أن اسم شريف سليمان سيتكرر كثيرًا في عناوين الإعلام الأمريكي والعربي كلما اشتعل صراع الأرقام داخل موازنة مدينة لا تعرف النوم ولا التساهل مع من يمسك بدفاترها المالية.










