أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قرارًا مفاجئًا بإعفاء وزير الدفاع الفريق الركن محسن محمد الداعري من منصبه وإحالته إلى التقاعد، في خطوة تعيد خلط الأوراق داخل المؤسسة العسكرية في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ اليمن.
القرار جاء ضمن موجة تغييرات واسعة في القيادات العسكرية والأمنية، وسط جدل سياسي حول خلفياته الحقيقية بين من يراه «إعادة هيكلة ضرورية» ومن يعتبره «تصفية حسابات داخل معسكر الشرعية».
نص القرار الرسمي وخطوته المفصلية
أعلنت وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» صدور القرار رقم 11 لسنة 2026 عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، قضت مادته الأولى بإعفاء وزير الدفاع الفريق الركن محسن محمد الداعري من منصبه وإحالته للتقاعد.
ونصت المادة الثانية على العمل بالقرار من تاريخ صدوره ونشره في الجريدة الرسمية والنشرات العسكرية، ما يعني دخوله حيز التنفيذ الفوري دون فترة انتقالية معلنة.
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تُعلن هوية الشخصية التي ستتولى حقيبة الدفاع، ما يفتح باب التكهنات حول اسم وزير الدفاع الجديد في ظل تجاذبات بين مكونات مجلس القيادة والقوى المتحالفة معه.
وتترقب الأوساط العسكرية والسياسية صدور قرارات مكملة قد تطال قيادات في ألوية ووحدات حساسة لضبط مسار الولاءات داخل الجيش.
خلفيات الإقالة والرسائل السياسية
تتحدث تقارير عربية ودولية عن أن قرار العليمي جاء على خلفية انتقادات سياسية وعسكرية لأداء الداعري في التعامل مع التصعيد الميداني لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظات مثل حضرموت والمهرة وعدن
مصادر نقلت أن الرجل واجه اتهامات بـ«الليونة» أو «التقاطع» مع أجندة الانتقالي، وهو ما اعتبره خصومه إخلالًا بالتوازن داخل مؤسسة يفترض أنها فوق الاصطفافات.
قرار الإقالة يتقاطع مع مسار أوسع؛ إذ سبقته تغييرات طالت قادة عسكريين ومدنيين في المحافظات المحررة، بدعوى مساندتهم أو تساهلهم مع تمرد وانتشار قوات المجلس الانتقالي خارج الإطار الرسمي للدولة
وبذلك يُقرأ القرار كجزء من محاولة العليمي استعادة زمام المبادرة داخل معسكر الشرعية، وإرسال رسالة بأن الملف العسكري لن يبقى رهينة مراكز قوة متشابكة.
من هو محسن محمد الداعري؟محسن محمد حسين الداعري من مواليد 1965، يُعد أحد أبرز الضباط الذين تدرجوا في مواقع عملياتية وقيادية منذ ثمانينيات القرن الماضي داخل الجيش اليمني.
شغل مناصب ركن عمليات اللواء 22 مشاة، ورئيس عمليات لواء الدفاع الجوي، ثم قاد اللواء 14 مدرع في مأرب، قبل أن يصبح مساعدًا لقائد العمليات المشتركة.
في 28 يوليو 2022، عُيّن وزيرًا للدفاع في الحكومة المعترف بها دوليًا، خلفًا للفريق محمد المقدشي، ليكون واجهة المؤسسة العسكرية خلال واحدة من أصعب مراحل الحرب اليمنية.
شارك في معارك صعدة وحرب 2015 وتعرض للإصابة في جبهة صرواح عام 2016، ما عزز صورته كقائد ميداني لا يكتفي بالمكاتب.
تداعيات القرار على المشهد العسكري
ترى تحليلات سياسية أن إعفاء الداعري يعكس اتساع موجة إعادة تشكيل هرم القيادة العسكرية والأمنية بما يتناسب مع ترتيبات مرحلة ما بعد التصعيد في الجنوب والحوارات الإقليمية حول مستقبل اليمن.
ويُتوقع أن يستثمر العليمي القرار لفرض انضباط أكبر على الوحدات المنتشرة في المحافظات المحررة ومنع أي محاولات لفرض وقائع ميدانية خارج سلطة الدولة.
في المقابل، تطرح شخصيات معارضة تساؤلات حول توقيت القرار، وترى أنه قد يفتح فراغًا في رأس المؤسسة العسكرية في الوقت الذي لا تزال فيه البلاد تواجه تهديدات من الحوثيين وتوترات جنوبية.
كما يُخشى أن يُفسَّر القرار داخل بعض الوحدات القريبة من الداعري كرسالة إقصاء، ما يستدعي إدارة دقيقة لعملية التسليم والتسلم تجنبًا لأي اهتزاز في الولاءات.
ماذا بعد إبعاد الداعري؟
مصادر إعلامية يمنية تشير إلى أن ملف وزارة الدفاع بات جزءًا من «سلة تفاهمات» أوسع بين مكونات مجلس القيادة الرئاسي وحلفائها الإقليميين، ما يعني أن اختيار الوزير الجديد لن يكون قرارًا تقنيًا فقط بل خطوة سياسية بامتياز
ويُرجَّح أن يُمنح المنصب لشخصية قادرة على موازنة النفوذ بين القوى الشمالية والجنوبية وبين معسكرات متباينة في رؤيتها لمستقبل الدولة اليمنية.
في الوقت ذاته، يبقى محسن الداعري، برتبة فريق متقاعد الآن، جزءًا من المشهد؛ إذ يمكن أن يحضر لاحقًا في أدوار استشارية أو سياسية، أو يتحول إلى ورقة توظيف إعلامي لكل من مؤيديه وخصومه في معارك الخطاب القادمة.
وبين أسئلة الشارع اليمني المتعب من تبدل الوجوه واستمرار الأزمات، يظل الامتحان الحقيقي ليس في إقالة وزير دفاع أو تعيين آخر، بل في قدرة المؤسسة العسكرية على توحيد بندقيتها تحت راية دولة واحدة لا تتوزعها الحسابات الفصائلية والإقليمية.










