زعيمة نوبل فى حضن ترامب: صفقة نفط أم عبور ديمقراطى لفنزويلا الجديدة؟
اللقاء المرتقب بين زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع المقبل فى واشنطن يبدو أشبه بقمة سياسية‑رمزية ترسم ملامح المرحلة الجديدة بعد سقوط نيكولاس مادورو واعتقاله على يد القوات الأمريكية.
الحدث لا يدور فقط حول صورة مشتركة فى البيت الأبيض، بل حول صفقة سياسية كبرى تتقاطع فيها ملفات الديمقراطية والنفط وإعادة رسم خريطة الحكم فى فنزويلا تحت عين واشنطن.
خلفية اللقاء وأهميته
ماريا كورينا ماتشادو، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025، برزت كأقوى وجهٍ للمعارضة الفنزويلية بعد سنوات من النضال ضد نظام مادورو، قبل أن تتوَّج دورها السياسي بدعم دولي واسع عقب العملية الأمريكية التى انتهت باعتقال الرئيس المخلوع ونقله إلى نيويورك.
هذا الصعود تزامن مع تحول واشنطن إلى اللاعب الحاسم فى مسار الانتقال السياسى فى كاراكاس، ما جعل أى تقارب بينها وبين ترامب يمس مباشرة سؤال «من يحكم فنزويلا بعد مادورو؟».
ترامب من جانبه أعلن فى مقابلات تلفزيونية أنه يتطلع للقاء ماتشادو «الأسبوع المقبل فى واشنطن»، مشيرًا إلى أنه «سيكون شرفًا كبيرًا» استقبالها، فى إشارة واضحة إلى رغبته فى استثمار رمزية جائزة نوبل التى سبق أن لمّحت إلى رغبتها فى إهدائها له تقديرًا لدوره فى «تحرير فنزويلا».
هذا التداخل بين التكريم المعنوى واللقاء السياسى يمنح الحدث بعدًا استثنائيًا يتجاوز البروتوكول إلى معركة سرديات حول من صاحب الفضل فى إسقاط مادورو.
أجندة ترامب: بين نوبل والنفط
بحسب تصريحات ترامب وشبكات إعلام أمريكية، يأتى اللقاء مع ماتشادو على وقع قرار البيت الأبيض إلغاء «موجة ثانية من الهجمات» على فنزويلا بعد ما وصفه الرئيس بـ«مستوى جيد من التعاون» مع السلطة الانتقالية برئاسة ديلسي رودريغيز.
هذا التراجع العسكرى الجزئى ترافق مع اندفاعة قوية نحو ملف النفط، حيث أعلن ترامب أنه سيجتمع بكبار مديرى شركات النفط فى البيت الأبيض لدفعهم لاستثمار ما لا يقل عن 100 مليار دولار فى قطاع الطاقة الفنزويلى وإعادة بناء البنية التحتية النفطية تحت إدارة أمريكية.
فى هذا السياق يبدو اللقاء مع زعيمة المعارضة الفنزويلية جزءًا من لوحة أكبر يسعى فيها ترامب إلى تحقيق توازن بين صورتين: «قائد التحرير» الذى يوقف الحرب ويُطلق مسار انتخابات مستقبلية، و«رجل الأعمال السياسى» الذى يعيد ربط فنزويلا بسوق الطاقة الأمريكية مقابل نفوذ طويل الأمد على ثرواتها.
كما يراهن الرئيس على أن حضور شخصية حائزة على نوبل إلى البيت الأبيض، سبق أن أعلنت أن «ترامب يستحق الجائزة»، يعزز سرديته الداخلية بأنه صانع سلام دولى حُرم من التكريم المباشر.
موقف ماتشادو ومأزق الشرعية
رغم تقاطع مصالحها مع واشنطن فى إنهاء حقبة مادورو، تقف ماتشادو فى وضع حساس؛ فهى من جهة تحتاج إلى دعم أمريكى واضح لحماية مشروعها الانتقالى فى الداخل، ومن جهة أخرى تدرك أن الظهور فى صورة تحالف كامل مع ترامب قد يغذّى خطاب خصومها الذين يتهمون المعارضة بأنها «أداة فى يد البيت الأبيض».
تصريحاتها الأخيرة التى وصفت فيها خطوة اعتقال مادورو بأنها «تاريخية» و«خطوة ضخمة فى اتجاه الانتقال الديمقراطى» تعكس تقديرها للدور الأمريكى، لكنها حريصة فى الوقت نفسه على التأكيد أن هدفها النهائى هو «انتخابات حرة» تقرر فيها الفنزويلية مصير بلادها.
كما أن ترامب نفسه لم يُخفِ تحفظاته على أهليتها للحكم عندما قال فى وقت سابق إن ماتشادو «لا تملك الدعم والاحترام الكافيين داخل البلاد» لتقود المرحلة، ما يجعل اللقاء المقبل منصةً لاختبار ما إذا كان الرئيس سيمنحها أخيرًا «ختم الموافقة» أم سيواصل المراهنة على ترتيبات انتقالية معقّدة تضعها فى قلب المشهد دون أن يمنحها كل مفاتيح السلطة.
حسابات الداخل الفنزويلى
فى كاراكاس، يتابع كثير من أنصار المعارضة والقوى المدنية الزيارة المرتقبة بعيون القلق والأمل معًا؛ فلقاء زعيمة المعارضة بالرئيس الأمريكى قد يفتح الباب أمام دعم اقتصادى وسياسى كبير، لكنه قد يكرّس أيضًا صورة أن مستقبل فنزويلا يُرسم فى واشنطن لا فى صناديق الاقتراع المحلية.
وجود ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة بدعم أمريكى ضمنى، وتفضيل واشنطن حتى الآن التعامل معها كـ«شريك عملى» فى الملفات العاجلة، من الأمن إلى النفط، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت ماتشادو ستخرج من اللقاء أقرب إلى موقع «رمز معارض» أم «زعيمة انتقالية» لها دور تنفيذى واضح.
فى كل الأحوال، فإن صورة ماتشادو وهى تدخل البيت الأبيض بعد شهور من تتويجها بنوبل، وبعد أسابيع من نقل مادورو من قصر ميرافلوريس إلى زنزانة فى نيويورك، ستصبح واحدة من اللحظات المفصلية فى سردية التحول الفنزويلى من «الثورة البوليفارية» إلى مرحلة جديدة تتقاطع فيها طموحات الداخل مع حسابات القوة الأمريكية والنفط والجوائز العالمية.










