شراكات إعادة الإعمار تفتح نافذة جديدة بين القاهرة ودمشق رغم الحذر السياسي
انطلاق الملتقى الاقتصادي السوري المصري في دمشق لأول مرة بعد سقوط الأسد، بمشاركة واسعة لرجال الأعمال المصريين، وسط رهانات على مشاريع الطاقة والإعمار والبنية التحتية وتحديات سياسية وأمنية.
دمشق – شهدت العاصمة السورية دمشق انطلاق فعاليات الملتقى الاقتصادي السوري–المصري في حدث يُعد الأول من نوعه منذ انهيار نظام بشار الأسد، في خطوة تحمل أبعادًا اقتصادية عميقة ورسائل سياسية غير معلنة، تعكس محاولة الطرفين إعادة تموضع العلاقات بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية.
الملتقى، الذي تنظمه اتحادات الغرف التجارية في البلدين، يأتي في توقيت حساس تمر فيه سوريا بمرحلة إعادة ترتيب اقتصادي بعد سنوات من الحرب والعزلة، بينما تسعى القاهرة لتعزيز حضورها الإقليمي داخل ملفات إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية.
وفد مصري ثقيل الوزن واستثمارات محتملة بمليارات الدولارات
ضم الوفد المصري 26 من كبار قيادات الغرف التجارية ورجال الأعمال، يمثلون شركات كبرى في قطاعات استراتيجية تشمل الكهرباء والطاقة، البترول والغاز، البنية التحتية ومواد البناء، الزراعة والصناعات الغذائية، النقل واللوجستيات، والصناعة والتشييد المؤسسي.
وتعتبر هذه القطاعات أولوية قصوى لدمشق في إعادة بناء الاقتصاد المنهك، خاصة مع تعطل سلاسل الإمداد وتهالك البنية التحتية خلال سنوات الصراع.
رسالة القاهرة: اقتصاد أولًا.. والسياسة لاحقًا
أكد أحمد الوكيل، رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية، أن الزيارة تستهدف تحديد الاحتياجات الفعلية للسوق السورية، وبحث مجالات يمكن لمصر أن تلعب فيها دورًا محوريًا عبر التوريد أو الاستثمار أو نقل الخبرات.
ويلاحظ أن الزخم الاقتصادي المتصاعد لا يقابله حتى الآن تقارب سياسي معلن بنفس الوتيرة، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الاقتصاد على تجاوز الحساسيات السياسية المتراكمة، ومدى استعداد المؤسسات السورية لتوفير بيئة استثمار آمنة وجاذبة لرأس المال الأجنبي.
ملفات ساخنة على طاولة المباحثات
تركز النقاشات داخل الملتقى على عدة محاور رئيسية، أبرزها إعادة تشغيل محطات الكهرباء وشبكات الطاقة، توريد الغاز والبترول المصري لدعم الاستقرار التشغيلي، المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، تطوير الموانئ والنقل البري والبحري، إعادة تأهيل المصانع المتوقفة، وبناء منظومة لوجستية إقليمية تربط سوريا بموانئ المتوسط ومصر.
وينظر إلى هذه الملفات باعتبارها مدخلًا اقتصاديًا لإعادة دمج سوريا تدريجيًا في الاقتصاد الإقليمي.
فرص واعدة… لكن المخاطر حاضرة
رغم الفرص الاستثمارية الكبيرة، يحذر خبراء من تحديات حقيقية، أبرزها ضعف الإطار التشريعي للاستثمار، المخاطر الأمنية غير المستقرة في بعض المناطق، غياب الضمانات البنكية الدولية، العقوبات المتبقية والقيود المصرفية، وهشاشة البنية الإدارية والجمركية.
وهو ما يجعل نجاح الملتقى مرهونًا بتحويل التفاهمات إلى اتفاقات تنفيذية واضحة ومحمية قانونيًا.
هل يصبح الاقتصاد جسرًا لإعادة التموضع الإقليمي؟
يرى مراقبون أن القاهرة تحاول لعب دور اقتصادي ذكي في الساحة السورية دون الاصطدام المباشر بالتعقيدات السياسية، مستندة إلى ثقلها الصناعي والخدمي، بينما تبحث دمشق عن شركاء عرب قادرين على كسر العزلة وإعادة تدوير عجلة الإنتاج.
الملتقى قد يشكل نقطة انطلاق لتحالف اقتصادي جديد في المشرق العربي، لكنه يبقى اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الطرفين على تجاوز الحسابات السياسية لصالح منطق المصالح والاستقرار.










