في ذروة الاحتجاجات التي تعصف بإيران منذ أواخر ديسمبر 2025، برزت لقطة واحدة لتختصر حالة التمرد المتصاعدة في إيران، امرأة شابة، بملامح هادئة ودون حجاب، تشعل النار في صورة المرشد الأعلى علي خامنئي، ثم تستخدم اللهب نفسه لإشعال سيجارتها.
خلال ساعات، تحولت هذه اللقطة إلى «أيقونة بصرية» عابرة للحدود، عبرت عن جيل كامل قرر كسر المحرمات السياسية والاجتماعية في آن واحد.
هدوء يكسر جدار الخوف
المقطع الذي انتشر على نطاق واسع بين 9 و11 يناير عبر منصات «إكس» و«إنستغرام» و«تليغرام»، لم يحدث صدمة بسبب الفعل وحده، بل بسبب الطريقة التي أنجز بها. لا صراخ، لا انفعال، ولا محاولة للاختباء.
فقط هدوء كامل وثقة لافتة في مواجهة رمز يعد الأكثر قداسة في هرم السلطة الإيرانية. هذا الثبات الانفعالي كان كافيا ليفسر باعتباره إعلانا صريحا عن تحطم جدار الخوف الذي طالما راهن عليه النظام.
كتب أحد النشطاء تعليقا لاقى انتشارا واسعا: «لن تكوني أبدا بمثل هدوء من تشعل سيجارة بصورة ديكتاتور محترقة»، في جملة لخصت شعورا عاما بأن الرهبة من الأجهزة الأمنية والعقاب لم تعد كما كانت، خصوصا لدى النساء.
ثلاث رسائل صادمة للنظام
يرى مراقبون أن انتشار هذا المشهد يعود إلى رمزيته المركبة. فحرق صورة المرشد الأعلى ليس مجرد فعل احتجاجي، بل نزع مباشر للقدسية عن أعلى سلطة دينية وسياسية في البلاد، وهو خط أحمر نادرا ما يكسر علنا داخل إيران.
أما إشعال السيجارة من اللهب نفسه، فيحمل بعدا اجتماعيا إضافيا، إذ يرتبط التدخين لدى النساء بسلسلة طويلة من القيود والضغوط الأخلاقية والأمنية. الجمع بين الفعلين حول المشهد إلى رسالة سياسية نسوية بامتياز، تعلن أن السلطة لم تعد مصدرا للخوف، بل مادة للسخرية والاستهزاء.
كما يقرأ محللون في هذه اللقطة ازدراء متعمدا لهيبة النظام، إذ جرى تحويل صورة المرشد من رمز للقمع والهيمنة إلى مجرد «قداحة» تستخدم لإشعال سيجارة، في تشبيه بصري بالغ القسوة على الخطاب الرسمي للدولة.
جذور هذه الموجة تعود إلى نوفمبر 2025، عندما نشر شاب يدعى أميد سرلاك مقطع فيديو وهو يحرق صورة خامنئي، ما أثار حينها جدلا واسعا. غير أن الاحتجاجات الأخيرة، التي اندلعت على خلفية الانهيار الاقتصادي والتضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، منحت الفكرة زخما جديدا. النساء الإيرانيات أخذن هذا التحدي إلى مستوى أكثر رمزية، بربطه بالتدخين وخلع الحجاب، وتحويله إلى فعل بصري مكثف الدلالة.
من فعل فردي إلى موجة نسوية رمزية
لم تظل الظاهرة حبيسة الداخل الإيراني. فقد انتشرت مقاطع مشابهة التقطتها شابات من الجاليات الإيرانية في كندا وأوروبا، في تعبير عن التضامن مع ما بات يعرف بـ«احتجاجات الجوع والكرامة». واستخدم رواد مواقع التواصل وسوما مثل #نساءيعشنبحرية و#احتجاجات_إيران، ما أسهم في توحيد الخطاب الاحتجاجي وتوسيع نطاقه عالميا.
ورغم التعتيم الأمني المشدد وانقطاع الإنترنت في العديد من المحافظات الإيرانية، فإن هذه المقاطع وجدت طريقها إلى الخارج، مؤكدة أن المواجهة لم تعد محصورة في الشوارع وحدها. فثمة «حرب صور» تدور بالتوازي مع الاحتجاجات الميدانية، يبدو أن الجيل الجديد في إيران يتقن أدواتها بجرأة وحداثة.
في هذا السياق، لا تعد «سيجارة الحرية» مجرد لقطة عابرة، بل تعبيرا مكثفا عن تحول عميق في أساليب الاحتجاج. صورة واحدة، صامتة وهادئة، استطاعت أن تلخص غضبا متراكما، وتعلن بوضوح أن الخطوط الحمراء التي رسمها النظام على مدى عقود باتت اليوم عرضة للاحتراق.










