بعد سقوط نظام الأسد، ضغطت تركيا بورقتها الرابحة الأخيرة، أوجلان على حزب العمّال الكردستاني، كي يحلّ نفسه، فأصدر أوجلان أوامره للحزب في 27 فبراير/شباط 2025 بحلّ الحزب وإلقاء السلاح، ضمن ما أسماه «مشروع الحل الديمقراطي»، على أساس أن هذا المشروع متَّفق عليه بين أنقرة وأوجلان.
لكن لم يُظهر الأخير وحزبه أيّة وثيقة تثبت أو تلمّح إلى شكل من أشكال التعاقد أو الاتفاق الرسمي المبرم بين الطرفين. كلّ ما في الأمر جملة من مطالب أوجلانيّة، كلّها تصبّ في طاحونة المصالح التركيّة، ولا شيء غير ذلك.
بعد مضيّ نحو أسبوعين، وبضغط من أنقرة وأوجلان وتوم باراك… وافقت «قسد» على إبرام اتفاق 10 مارس/آذار 2025 مع تنظيم “جبهة النصرة” الذي صار يقود سوريا. وأصبحت تركيا، ومن خلفها أوجلان، تضغط وتضغط وتضغط على «قسد» للإسراع في تنفيذ اتفاق 10 آذار مع نظام الجولاني، بخاصّة بند الاندماج كأفراد وليس كثلاث فرق عسكريّة، ومن دون مشروع سياسي. والسؤال هنا: لو لم تكن هناك مصلحة استراتيجيّة رئيسة ووجوديّة لتركيا في تنفيذ ذلك الاتفاق، لما مارست كل تلك الضغوط والتهديدات على “قسد”.
ثمّ تحوّلت لغة التهديد والوعيد التركيّة – السوريّة أو السور-كيَّة إلى التنفيذ، عبر غزوة الأشرفيّة والشيخ مقصود في حلب، التي أشرفت عليها الاستخبارات التركيّة مباشرة، وكان مقاتلو الجولاني مجرّد أدوات، لا أكثر.
تركيا تريد تدمير مكتسبات الكرد في الشمال السوري ومناطق شرق الفرات بأيّ ثمن. أوجلان هنا بيدق تركي رخيص، وهذا ما لا يريد الأوجلانيون الاعتراف به، وما يزالون مخدوعين به ويرنون فيه الزعيم المفدّى.
قارنوا لهجة تصريحات أوجلان وهجومه على أمريكا وإسرائيل والإمبرياليّة… وتقاطع تلك اللهجة مع خطاب الدولة التركيّة الإعلامي والرسمي، في السلطة والمعارضة. ثمّة تماهٍ، بل تطابق فظيع بين الخطابين. كلاهما، أوجلان والحكومة التركيّة، يعتبران مكتسبات الكرد و«قسد» مؤامرة أمريكيّة–إسرائيليّة على المنطقة، وتركيا.
هذا التقاطع الفظيع في خطاب أوجلان الهجومي وخطاب أنقرة الهجومي على أمريكا وإسرائيل، واستهداف «قسد»، هل هو محض صدفة؟ الغبي والمجنون والأهبل سيقول: نعم، الأمر محض صدفة!
مضت قرابة سنة على مشروع أوجلان–باهتشلي، ونفّذ حزب العمال الكردستاني (PKK) كل ما طُلب منه، في حين لم تنفّذ تركيا أيّ شيء على صعيد الإصلاحات المتعلقة بالحقوق الكردية داخل تركيا، بل على العكس زادت من ضغوطها على أكراد سوريا و«قسد».
تنظر تركيا بقلق شديد وخوف إلى الأوضاع في إيران. سقوط النظام الإيراني يعني إعادة ترتيب النظام السياسي الجديد في البلد الجار اللدود، وسيكون لكرد إيران حصّة كبيرة، لأنّ المظاهرات الإيرانيّة انطلقت من المدن الكرديّة فيها.
فكرة ولادة حكم ذاتي أو إقليم فيدرالي كردي في إيران، يعبّر عن مصالح ما بين 8 إلى 10 ملايين كردي إيراني، هذه الفكرة تتسبّب في رعب حقيقي وشديد لتركيا.
لم تنتهِ أنقرة بعد من مشكلة «قسد» وشرق الفرات، حتّى بدأت مشكلة احتمال ولادة إقليم كردستان إيران للحكم الذاتي أو الفيدرالي تطفو على سطح الاحتمالات.
فشلت أنقرة في محاصرة إقليم كردستان العراق الفيدرالي، واضطرّت إلى الاعتراف به. وهي – أي أنقرة – مستميتة في محاولات تدمير مكتسبات كرد سوريا المتواضعة، وترفض أيّ اعتراف بهذه المكتسبات في الدستور السوري.
أنقرة في سباق مع الزمن: الزمن الكردي، وربّما تعجز عن التدخّل العسكري في إيران لمساندة النظام، أو لدعم الأذريين والتركمان… لكنها ستسعى لتحقيق ذلك. أمّا الآن، فالشوكة الكبيرة في حلق وعين تركيا هي «قسد»، كيف يمكن تفكيكها وتدمير المكتسبات الكرديّة التي تحميها؟!
شريك أردوغان في الحكم، زعيم الحزب القومي المتطرّف (MHP) دولت باخشلي، قالها بصراحة أكثر من مرّة: مدح أوجلان وأثنى على خدماته الجليلة التي قدّمها لتركيا، وهاجم مظلوم عبدي و«قسد». تخيّلوا باخشلي يصف أوجلان بالزعيم المؤسّس الذي يجب أن يطيعه مظلوم عبدي، ويصف الأخير بالإرهابي الكبير الذي يرفض أوامر أوجلان، ويقول إنّ عبدي تمرّد على زعيمه.
وهذا مرفوض بالنسبة لـ دولت باخشلي، الذي يُعدّ من أبرز أركان الدولة العميقة في تركيا. يمدح أوجلان ويهاجم مظلوم عبدي! هل هناك تفسير آخر لهذا المشهد المضحك غير أنّ أوجلان، الذي لا يزال البعض يعتبره زعيمًا كرديًّا وزعيم حزب انفصالي، ليس سوى ورقة ضغط تركيَّة على الكرد داخل تركيا وخارجها؟
اللوبي التركي يعمل في واشنطن وأوروبا لتثبيت حكم الجولاني أكثر من اللوبي السعودي–القطري. توم باراك جزء من اللوبي التركي. الإعلام السوري مستنفر إلى الحدود القصوى ضد «قسد»، ومحاولات استمالة الكرد بالكلام المعسول المخادع الذي يطلقه الجولاني. كلامٌ شبيه أطلقه أردوغان سنة 2005 في بدايات مجيئه. مضت عشرون سنة، ولم ينفّذ أردوغان أيًّا من الوعود التي أطلقها في دياربكر أمام عشرات الألوف من الكرد سنة 2005.
ومن الطبيعي أن يحاول التلميذ الكذّاب التفوّق على أستاذه الكذّاب. وعنيت هنا الجولاني الذي يحاول التفوّق على أردوغان في الكلام المعسول المخادع والكذَّاب أثناء التودد للكرد، والتمسكن لحين التمكّن.
أتاتورك كذب على الكرد، واستثمرهم وغدر بهم. الخميني كذب على الكرد، واستثمرهم وغدر بهم. كذلك فعل أردوغان وبشار الأسد، ويحاول الجولاني الآن فعل الشيء نفسه، مع بعض المهارات اللغويّة المطلية بالعسل المسموم.
سعي الجولاني الحثيث للظهور على قناة «شمس» الكرديّة بهد استمالة كرد سوريا وشيطة “قسد” هو مقترح تركي. ورفض القناة بثّ المقابلة أثار جنونه وجنون نظامه وإعلامه وحاضنته. هستيريا جماعيَّة ضدّ قناة “شمس” وكردستان العراق، أصابت الجولاني وحاضنته. الكل مستنفر للثأر من كردستان العراق عبر استهداف شرق الفرات، لخدمة مصالح مشغّلهم التركي. «انتصار» الأتراك على الحيَّين الكرديَّين في حلب أفسدته «شمس» الكرديّة الناطقة بالعربيّة.
تركيا خائفة وقلقة ممّا يجري في إيران، وعينها على شرق الفرات و«قسد». لا خيار أمام الكرد: إمّا الاستسلام لتركيا وأوجلانها وأحمد شرعها، أو المقاومة.
تنتظر كردُ سوريا و«قسد» أيّامًا صعبة للغاية، بل شديدة الصعوبة والعُسر. أيّام مصيريّة، إذا اجتازوها ببطولة وبسالة ومقاومة بموقف موحّد، فالغد لهم. رسم قدر سوريا، وكردها وعربها وكلّ مكوّناتها، يبدأ من شرق الفرات.
“قسد” ليست ضعيفة كما يظنّ البعض. قوَّتها في وقوف الكرد خلفها، ودعم العلويين والدروز والمسحيين وقطاعات من العرب والسنّة.
والجولاني ليس ضعيفًا، قوّته ليست في الإرهابيين والمقاتلين الأجانب والدعم السعودي – القطري – الأمريكي. قوّته الكبرى في الدور الجبان والخياني الذي يلعبه عبدالله أوجلان لصالح تركيا وأزلامها ومصالحها في سوريا. إذا تحررت “قسد” من أوجلان، أصبحت قوّتها أضعاف ما كانت عليه في السابق.










