في تصريح وصفه مراقبون بـ “الانعطافة الواقعية”، دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتز إلى إعادة صياغة العلاقة مع موسكو، مؤكداً ضرورة إيجاد “توازن طويل الأمد” مع روسيا بصفتها “دولة أوروبية وأكبر جيراننا”.
جاء ذلك خلال لقاء مع رجال أعمال بمناسبة العام الجديد في مدينة “هالي” بشرق ألمانيا، وسط أجواء جيوسياسية مشحونة بالتوتر مع واشنطن.
من “خطة لضرب أوروبا” إلى “البحث عن توازن”
هذا الموقف الجديد يأتي بعد أسبوعين فقط من خطاب رأس السنة الذي اتسم بنبرة حادة، حيث حذر ميرتز حينها من أن الحرب الروسية هي “جزء من خطة موجهة ضد أوروبا كلها”.
إلا أن خطابه اليوم غلبت عليه لغة “الواقعية السياسية”، حيث قال ميرتز (CDU):”إذا نجحنا على المدى الطويل في العثور مرة أخرى على توازن مع روسيا، وإذا ساد السلام وضمنت الحرية، فسنكون نحن في ألمانيا والاتحاد الأوروبي قد اجتزنا اختباراً رئيسياً آخر.. وهذا ما أتمنّاه لنا”.
أزمة غرينلاند: الضغط الأمريكي يغير البوصلة
يربط المحللون هذا التغيير في نبرة برلين بـ “أزمة غرينلاند” التي اندلعت عقب تجديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطالبته بالسيطرة على الجزيرة التابعة للدنمارك.
ومع تصاعد التهديدات الأمريكية باستخدام “اللين أو الشدة” لضمان المصالح الأمنية لواشنطن في القطب الشمالي، بدأت العواصم الأوروبية، ومنها برلين، تشعر بقلق حقيقي من “انهيار الناتو” إذا أقدمت واشنطن على خطوة أحادية ضد حليف أوروبي.
هذا الضغط الأمريكي المزدوج (التهديد بضم غرينلاند والدفع نحو إنهاء حرب أوكرانيا) دفع ميرتز إلى محاولة التوفيق بين تقليل الاعتماد الكلي على واشنطن من خلال فتح نافذة “حوار مشروط” مع موسكو والضغط الاقتصادي الداخلي في ألمانيا يتطلب رؤية واضحة لمستقبل أمن الطاقة والحدود الجيوسياسية، والتماشي مع رغبة الإدارة الأمريكية الحالية في إيجاد مخرج للصراع الأوكراني.
ردود الفعل: بين الترحيب والحذر
تباينت الأصداء الدولية فور صدور التصريح؛ فبينما احتفت وسائل الإعلام الروسية بعبارة “روسيا دولة أوروبية” كدليل على تصدع الجبهة الأوروبية، شددت الأوساط الداعمة لأوكرانيا على أن “التوازن” الذي ينشده ميرتز لا يمكن أن يتحقق إلا بانسحاب القوات الروسية، معتبرين أن شرط “الحرية المضمونة” الذي وضعه المستشار هو الضمانة لعدم تقديم تنازلات تمس سيادة كييف.
تظل رسالة ميرتز من “هالي” واضحة: في عالم يواجه فيه الحلفاء الغربيون أزمات وجودية (مثل غرينلاند)، تصبح “الجغرافيا” هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تجاهلها؛ فروسيا ستبقى “الجار الأكبر”، والبحث عن توازن معها بات “الاختبار الأكبر” لبقاء أوروبا.










