من الخصومة إلى السلاح المشترك: لماذا تمد أنقرة يدها اليوم للرياض وإسلام آباد؟
تتحرك تركيا في مسار تفاوضي متقدم للانضمام إلى اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، في خطوة يُرجَّح أن تفضي إلى تحالف ثلاثي جديد يعيد رسم خريطة موازين القوى في الشرق الأوسط وجنوب آسيا والعالم الإسلامي.
مصادر دبلوماسية وإعلامية دولية تشير إلى أن المحادثات قطعت شوطًا كبيرًا، وأن الاتفاق بات «مرجحًا للغاية»، مع تركيز أنقرة والرياض وإسلام آباد على صيغة ردع جماعي أشبه بـ«اضرب واحدًا تُحسب على الجميع» في مواجهة التهديدات الإقليمية المتصاعدة
الخلفية: تحالف سعودي–باكستاني قيد التشكل
انطلقت فكرة التحالف الحالي من اتفاق «دفاع استراتيجي مشترك» وقّعته السعودية وباكستان في أواخر 2025، يقوم على مبدأ أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يُعد اعتداءً على الأخرى، بما يقارب صيغة الدفاع الجماعي المعروفة في تحالفات كبرى مثل الناتو.
الاتفاق منح الرياض لأول مرة غطاءً دفاعيًا مباشرًا من دولة نووية مسلمة، هي باكستان، في حين حصلت إسلام آباد على فرصة لتوسيع صناعاتها العسكرية وصفقات تسليح بمليارات الدولارات، في منطقة تمتلك فائضًا ماليًا ونقصًا في القدرة الدفاعية الذاتية المتقدمة.
المفاوضات مع أنقرة: أين وصلت؟تقارير إخبارية غربية وعربية، نقلًا عن مصادر مطلعة، تؤكد أن تركيا دخلت في «محادثات متقدمة» مع الرياض وإسلام آباد للانضمام رسميًا إلى الاتفاق الدفاعي، مع ترجيحات قوية بأن التوقيع قد يصبح مسألة وقت إذا حُسمت التفاصيل الفنية والسياسية.
هذه التحركات ترافقها مؤشرات عملية؛ بينها أول اجتماع بحري مشترك بين السعودية وتركيا في أنقرة، وتكثيف الاتصالات الدفاعية الثلاثية، فضلًا عن تسريبات حول بحث صيغ تعاون في الطائرات المسيرة والمقاتلات وبرامج التدريب العسكري المشترك.
دوافع تركيا للانضمام
تسعى أنقرة إلى تعزيز موقعها كقوة عسكرية إسلامية مركزية، مستفيدة من امتلاكها ثاني أكبر جيش في الناتو وصناعة دفاعية متقدمة في مجالات المسيّرات والسفن الحربية والمقاتلات، بما يمنح الحلف الجديد «ذراعًا تنفيذية» قوية في البر والبحر والجو.
في ظل عودة ترامب إلى البيت الأبيض وتزايد الشكوك في التزامات واشنطن الأمنية التقليدية بالمنطقة، تبدو تركيا معنية ببناء شبكات أمان بديلة تُقلّص اعتمادها الأحادي على الناتو، وتفتح أمامها أسواق تسليح جديدة في الخليج وجنوب آسيا وأفريقيا.
الحسابات السعودية والباكستانية
السعودية ترى في انضمام تركيا فرصة لتثبيت زعامتها في العالم السني عبر مظلة دفاعية ثلاثية تجمع المال السعودي بالقدرة النووية الباكستانية والخبرة العملياتية التركية، مع توظيف هذا الثقل في ملفات اليمن والبحر الأحمر والخليج وشرق المتوسط.
بالنسبة لباكستان، يشكل التحالف منصة لتسويق قدراتها النووية والصاروخية وصناعاتها الدفاعية، وتحصيل دعم اقتصادي وسياسي من الرياض وأنقرة في مواجهة الضغوط في محيطها، من الهند إلى أفغانستان وإيران، مع الحفاظ على صورتها كقوة ردع إسلامية.
غياب مصر وتحفظات إقليمية
في مقابل الحماس الإعلامي لفكرة «حلف سعودي–تركي–باكستاني»، برزت أصوات عربية، منها رئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم، تدعو إلى ضم مصر لئلا يتحول التحالف إلى كيان إقصائي يربك توازنات العالم العربي ويترك القاهرة خارج ترتيبات أمن إقليمية كبرى.
كما يثير مسار التحالف تساؤلات في طهران وتل أبيب وواشنطن؛ فإيران تراقب تكوّن حلف سني مدعوم بقوة نووية باكستانية، بينما تخشى إسرائيل والولايات المتحدة من أي ترتيبات دفاع جماعي خارج هندسة الأمن التقليدية التي تضمن تفوقهما النوعي في المنطقة.
تحديات أمام اكتمال التحالف
رغم التقدم، تبقى أمام أنقرة ملفات معلّقة؛ من كيفية التوفيق بين عضويتها في الناتو وارتباطها بحلف دفاعي جديد قد يتحرك أحيانًا في اتجاهات لا تفضّلها واشنطن، إلى حسابات علاقتها المعقدة مع إيران وروسيا وملف الأكراد والوجود العسكري في سوريا وليبيا.
كما أن ذاكرة التوتر بين السعودية وتركيا، على خلفية الربيع العربي وقضية خاشقجي وملفات مصر وقطر، تجعل استمرار التحالف مرهونًا بإدارة خلافات كامنة، وبقدرة العواصم الثلاث على تحويل «تحالف اللحظة» إلى إطار مؤسسي طويل الأمد لا يسقط مع أول أزمة ثقة.










