جنوب السودان بين صندوق الاقتراع وامتحان الشرعية
“الديمقراطية لا تُصنع في يوم الاقتراع، بل في الأيام التي تسبقه. والصندوق لا يُنقذ دولة لم تُحسم فيها بعد معركة القانون على القوة، والمعنى على السلاح.”
مقدمةً
تعلن المفوضية الوطنية للانتخابات جاهزيتها لإجراء الانتخابات العامة في ديسمبر 2026، وتصفها بأنها “أكبر اختبار ديمقراطي منذ الاستقلال”. هذا الإعلان—في ظاهره—بشارة انتقال طال انتظاره. لكنه—في عمقه—يفتح سؤالًا أشد قسوة وصدقًا: هل يمكن أن تُجرى انتخابات مكتملة المعنى في دولة لم تكتمل شروطها بعد؟ وهل يُستدعى الصندوق هنا باعتباره أداةً لتأسيس الشرعية، أم كقناعٍ لإدارة شرعية مأزومة؟
في جنوب السودان، ليست الأزمة في “موعد” الانتخابات فقط، بل في سياقها: سياق دولة انتقالية طويلة، سلامٌ هش، مؤسسات لم تستقر، وأمنٌ لم يتحول بعد إلى “خدمة عامة” محايدة. لهذا تصبح انتخابات 2026 ليست مجرد منافسة سياسية، بل امتحانًا للدولة نفسها: هل هي دولة قانون ومواطنة، أم دولة توازنات وسلاح وشبكات نفوذ؟
١) المفوضية: الجاهزية الإجرائية لا تساوي عدالة المنافسة
المفوضية يمكن أن تكون جاهزة من ناحية التدريب والمكاتب والخطط والجداول. لكن الانتخابات لا تُقاس بقدرة المؤسسة على “إدارة يوم الاقتراع” فقط؛ بل بقدرتها—والبيئة التي تعمل فيها—على ضمان تكافؤ الفرص قبل الاقتراع.
الاختبار الحقيقي يبدأ من هنا:
• هل تستطيع كل القوى السياسية الوصول للناس بوسائل متقاربة؟
• هل الإعلام متاح للجميع أم هو امتداد غير معلن للسلطة؟
• هل المال العام والموارد الحكومية محايدة أم تُستخدم انتخابيًا؟
• هل تُدار النزاعات الانتخابية بالقانون أم بتدخلات نافذة؟
إن لم تُحسم هذه الأسئلة، فإن ما يبدو “انتخابات” قد يكون عمليًا إحصاءً سياسيًا لميزان القوة القائم، لا تفويضًا شعبيًا حرًا. حينها تصبح المفوضية—حتى لو كانت حسنة النية—مجرد مدير لعملية لا تملك شروط العدالة.
٢) القانون والقاعدة: انتخابات بلا حماية للقاعدة هي ديمقراطية صورية
الانتخابات ليست طقسًا ديمقراطيًا؛ هي تطبيق عملي لسيادة القانون. ومشكلة جنوب السودان التاريخية ليست غياب النصوص دائمًا، بل هشاشة حماية القواعد أمام السلطة والنفوذ.
إذا لم تكن القاعدة محمية، تظهر أعراض خطيرة في موسم الانتخابات:
• يتسع هامش “التعليمات” على حساب القانون.
• تصبح مؤسسات الدولة قابلة للتوظيف الحزبي.
• تُدار المخالفات بالترضيات لا بالمحاسبة.
وهنا جوهر السؤال: من يحمي القاعدة عندما تتعارض مع مصالح الأقوياء؟
إذا لم يوجد جواب مؤسسي واضح، فالانتخابات تتحول إلى “شكل” لا “مضمون”، وتخرج النتائج محمّلة بتشكيك دائم لأنها لم تصدر عن بيئة تُجبر الجميع على احترام القاعدة.
٣) الأحزاب: هل لدينا تنافس برامج أم تنازع مواقع؟
الانتخابات تفترض وجود أحزاب قادرة على تقديم بدائل حكم لا مجرد شعارات. لكن الواقع في جنوب السودان يُظهر مأزقًا مزدوجًا:
أ) الحزب الحاكم
يواجه تحدي الانتقال من شرعية التحرير أو البقاء إلى شرعية الإنجاز والمساءلة. الانتخابات ليست تجديدًا تلقائيًا؛ هي سؤال علني: ماذا أنجزتم؟ ولماذا نستمر معكم؟
ب) أحزاب المعارضة
كثير منها يملك خطابًا قويًا، لكنه يفتقر إلى ثلاث ركائز حاسمة:
• تنظيم قاعدي ممتد خارج المدن،
• برنامج اقتصادي/خدمي مُقنع لا يكتفي بإدانة السلطة،
• قدرة على بناء تحالفات على أساس السياسات لا على أساس ردّ الفعل.
إن ظلّت الأحزاب—حاكمة ومعارضة—محكومة بمنطق المواقع والرموز، فستصبح الانتخابات تنافسًا داخل السقف نفسه، لا منافسةً تُغيّر قواعد اللعبة. عندها يفقد المواطن الإحساس بأن صوته قادر على إحداث فرق، ويتحول الصندوق إلى “تثبيت” لا “تغيير”.
٤) القوات المسلحة: حياد السلاح هو الحدّ الفاصل بين الدولة والميليشيا
أخطر ما يواجه أي انتخابات في دولة خارجة من حرب هو أن يبقى السلاح حاضرًا في السياسة. ليس شرطًا أن يتدخل الجيش مباشرة؛ يكفي أن يشعر المواطن بأن الأمن “يُراقب” مزاجه السياسي.
لذلك، حياد القوات المسلحة ليس بندًا بروتوكوليًا، بل تعريفٌ للدولة:
الدولة هي التي يحتكر فيها السلاح وظيفة الحماية العامة لا وظيفة التأثير السياسي.
حين تصبح الانتخابات محاطة برسائل القوة—مباشرة أو غير مباشرة—ينكمش المجال العام، وتخفت الجرأة على المعارضة، ويُصبح “الاختيار” أقرب إلى حساب المخاطر منه إلى التعبير الحر. وهذا بالضبط ما يجعل انتخاباتٍ ما “بلا دولة”: لأن الدولة هنا لم تحسم بعد أن السلاح خارج المنافسة.
٥) الشرطة: الامتحان اليومي لمدنية الدولة
إذا كان حياد الجيش شرطًا استراتيجيًا، فإن الشرطة هي الامتحان اليومي للناس. المواطن لا يلتقي بالدولة في البرلمان؛ يلتقي بها في نقطة تفتيش، في إذن تجمع، في حماية ندوة، في تعامل مركز شرطة مع شكوى انتخابية.
ولهذا تصبح الشرطة في الانتخابات أمام سؤالين حاسمين:
• هل هي شرطة قانون أم شرطة أوامر؟
• هل دورها حماية حق الناس في السياسة أم ضبط السياسة لصالح طرف؟
الشرطة المحترفة تحمي الجميع بالتساوي: تُؤمّن الحملات، تمنع العنف، تردع خطاب الكراهية، وتُحيل المخالفات للقضاء بلا انتقائية.
أما الشرطة المُسيّسة فتتحول إلى أداة “توازن” لصالح الأقوى: تُصعّب على طرف وتُسهّل لآخر، فتنهار الثقة من جذورها مهما كانت صناديق الاقتراع شفافة.
٦) أجهزة الأمن: الخطر الصامت على المجال العام
الأجهزة الأمنية حين تتجاوز دورها المهني إلى إدارة السياسة، تنتج “استقرارًا” ظاهريًا لكنه يقتل الانتخابات.
مؤشر الخطر ليس فقط الاعتقالات؛ بل أشياء أكثر خفاءً:
• الخوف من الحديث في السياسة علنًا،
• الرقابة الذاتية في الإعلام،
• تعطيل النشاط الحزبي بتعقيدات إدارية،
• تحويل المنافسة إلى “مخاطرة” لا “حق”.
في هذه الحالة، لا تحتاج السلطة إلى تزوير الصندوق؛ يكفي أن تُهذّب المجال العام بالخوف، فتأتي النتائج “طبيعية” لكنها غير حرة.
٧) المجتمع المدني: العين التي تمنع احتكار الحقيقة
المجتمع المدني ليس زينة ديمقراطية، بل آلية توازن تمنع احتكار رواية الانتخابات من جهة واحدة. أدواره الحاسمة:
١. التوعية: بلغة الناس—ما هي حقوقك؟ كيف تسجل؟ كيف تعترض؟ كيف تميّز شراء الأصوات؟
٢. المراقبة: من التسجيل إلى الفرز، لا يوم الاقتراع فقط.
٣. التوثيق: تحويل الانتهاك من شائعة إلى ملف قابل للمساءلة.
٤. التخفيف من النزاعات: عبر وساطة مجتمعية تمنع التوترات المحلية من التحول إلى عنف.
إذا تم تحجيم المجتمع المدني أو تخويفه أو شراؤه، ستصبح الانتخابات ملكًا للنخبة، ويضيع صوت القاعدة.
٨) المثقفون والإعلام: معركة المعنى قبل الصندوق
الانتخابات ليست أرقامًا فقط؛ هي معركة معنى: ما الذي نعتبره “مصلحة عامة”؟ ما هو معيار الحكم الرشيد؟ ما حدود القبيلة في السياسة؟ ما قيمة الدولة؟
هنا يأتي دور المثقفين والإعلاميين:
• فضح الشعبوية ووعودها السهلة،
• تحويل النقاش من الأشخاص إلى البرامج،
• تفكيك خطاب الكراهية والقبلية،
• بناء ذاكرة نقدية تمنع تزوير الماضي لتبرير الحاضر.
حين يصمت المثقف، يملأ الفراغَ صاحبُ المال أو صاحبُ السلاح. وحين يُستأجر الإعلام، تتحول السياسة إلى إعلان تجاري، وتختفي الحقيقة تحت الدعاية.
٩) الناخب: من “الرعية” إلى “المواطن”
في نهاية الطريق، لا معنى لكل هذه المؤسسات إن لم يتحول الناخب من متلقٍ إلى فاعل. المواطن الذي يبيع صوته يبيع حقه في الشكوى لاحقًا. والمواطن الذي يقاطع بلا بديل يترك المجال لمن ينظمون وحدهم.
المشاركة الواعية تعني:
• التصويت على أساس برنامج وخدمات، لا على أساس خوف أو عصبية،
• رفض شراء الأصوات باعتباره فسادًا “مسبق الدفع”،
• مراقبة مجتمعية للنتائج،
• محاسبة ممثلين منتخبين لا تقديسهم.
الديمقراطية تبدأ عندما يصبح السياسي “موظفًا عامًا” لا “زعيمًا مقدسًا”.
١٠) انتخابات بلا دولة؟
هي تلك التي يُستدعى فيها الصندوق ليؤدي وظيفة الدولة: توحيد المجتمع، ضبط السلاح، حماية القانون، صناعة الشرعية. وهذه وظيفة أكبر من الصندوق. الصندوق يُنظّم الاختيار، لكنه لا يصنع وحده شروط الحرية والعدالة.
فإما أن تكون انتخابات 2026 بداية بناء الدولة على أساس الشرعية الشعبية—وإما أن تكون حلقة جديدة في إدارة أزمة الشرعية، بلغة ديمقراطية ومضمونٍ مؤجل.
١١) تكامل الأدوار—هنا تُصنع الشرعية
الانتخابات الناجحة هي نتيجة سلسلة ثقة:
شرطة محايدة ⟶ أمن يحمي الجميع ⟶ مجتمع مدني يراقب ⟶ مثقفون ينقدون ⟶ أحزاب تتنافس ⟶ ناخب يختار بحرية.
انكسار حلقة واحدة يُضعف السلسلة كلها.
١٢) الخلاصة
انتخابات ديسمبر 2026 ليست اختبارًا للمفوضية وحدها، ولا للأحزاب فقط، بل اختبارٌ لمدنية الدولة. إن التزمت الشرطة بالقانون، واشتغل المجتمع المدني بلا خوف، وأدّى المثقفون دورهم النقدي، ونافست الأحزاب ببرامج حقيقية—يمكن للصندوق أن يمنح شرعية تُنهي الانتقال الطويل.
أمّا إن بقي الأمن سياسيًا، والشرطة منحازة، والمجتمع المدني مُهمَّشًا، والمثقفون صامتين—فلن تكون الانتخابات سوى موعدٍ جديد لتدوير الأزمة.










