إغلاق معانا لإنقاذ إنسان: من يحمي المشردين بعد سقوط أكبر مظلة رحمة في مصر؟”
خلفية عن مؤسسة «معانا لإنقاذ إنسان»تعد مؤسسة «معانا لإنقاذ إنسان» واحدة من أبرز الكيانات الأهلية التي برزت خلال العقد الأخير في مجال إنقاذ وإيواء المشردين في مصر، حيث حصلت على تراخيصها الرسمية من وزارة التضامن الاجتماعي وافتتحت داراً بمدينة 6 أكتوبر لاستقبال الحالات الإنسانية.
وتشير تقارير صحفية قديمة إلى أن المؤسسة بدأت كصفحة وحملة تطوعية على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تتحول إلى كيان مؤسسي معترف به يستقبل العشرات من الحالات وينفذ عمليات إنقاذ ميدانية على مدار الساعة.
مع توسع نشاط المؤسسة، امتدت خدماتها إلى مختلف المحافظات عبر فرق إنقاذ ومتطوعين، وبات اسمها مقترناً بإنقاذ المشردين من الشوارع، سواء كانوا أطفالاً بلا مأوى أو كبار سن فقدوا السند العائلي، وسط إشادات إعلامية واسعة بدورها الإنساني.
كما باتت منصاتها الرقمية وسيلة أساسية للتبليغ عن الحالات، مع تلقي آلاف البلاغات من المواطنين خلال السنوات الأخيرة.
حجم الدور الاجتماعي قبل الإغلاق
وفق تصريحات سابقة لرئيس المؤسسة والمواد الدعائية المرتبطة بها، توسعت «معانا لإنقاذ إنسان» إلى عدة فروع قادرة على استقبال مئات الحالات من المشردين في وقت واحد، مع برامج متكاملة للإيواء والتأهيل وإعادة الدمج.
وتشير مواد مرئية إلى أن الطاقة الاستيعابية الكلية للفروع كانت تصل إلى نحو 600 حالة، بينما كان المقيمون فعلياً داخل الدور في بعض الفترات في حدود 300 شخص بسبب محدودية الموارد المالية.
لم يقتصر دور المؤسسة على توفير الطعام والمأوى، بل امتد إلى توفير الرعاية الطبية والنفسية ومحاولات دمج النزلاء في سوق العمل، سواء عبر حرف بسيطة أو وظائف تتناسب مع قدراتهم الصحية والنفسية.
كما شاركت المؤسسة في جهود رسمية وغير رسمية لمكافحة ظاهرة التسول واستغلال الأطفال في الشوارع، ما جعلها شريكاً عملياً في تنفيذ سياسات الحماية الاجتماعية على الأرض.
قرار الإغلاق وتداعياته المباشرة
إغلاق مؤسسة بهذا الحجم يعني في الواقع سقوط مظلة إنسانية كانت تغطي فراغاً هائلاً في منظومة الرعاية الرسمية، خاصة أن دور الإيواء الحكومية ما زالت تعاني من محدودية الطاقة الاستيعابية وتعقيدات الإجراءات البيروقراطية في استقبال الحالات.
فالعديد من الحالات التي كانت تُنقل مباشرة من الشارع إلى دور المؤسسة دون تعقيدات إدارية، تجد نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مر: العودة مجدداً إلى الشارع أو الدخول في طوابير انتظار طويلة أمام مؤسسات حكومية مثقلة بالأعباء.
هذا التحول يهدد بزيادة أعداد المتسولين والمشردين في الشوارع، خصوصاً في المدن الكبرى مثل القاهرة والجيزة، حيث كان وجود سيارات وفرق إنقاذ تابعة للمؤسسة يسهم في الحد من بقاء الحالات الخطرة في العراء.
كما يثير مخاوف حقيقية من عودة ظواهر مثل استغلال الأطفال في التسول والعمل القسري وجرائم الشارع المرتبطة بالتشرد والإدمان.
أسئلة حول سياسات الدولة ودور المجتمع المدني
إغلاق أكبر مؤسسة أهلية لإيواء المشردين يفتح الباب واسعاً لطرح أسئلة حول مستقبل العلاقة بين الدولة والجمعيات الأهلية العاملة في ملف الفقر والتشرد.
فبدلاً من دعم هذه الكيانات وتوسيع شراكاتها، تتزايد المخاوف من أن التشدد الرقابي أو تضييق التمويل قد يؤدي عملياً إلى إضعاف إحدى أهم أدوات الحماية الاجتماعية غير الحكومية في البلاد.
كما يطرح القرار إشكاليات تتعلق بغياب رؤية شاملة لملف أطفال الشوارع والمشردين، إذ تغيب حتى الآن استراتيجية معلنة واضحة المعالم تضمن انتقالاً آمناً للحالات التي كانت ترعاها المؤسسة إلى بدائل حقيقية تحافظ على كرامتهم وحقوقهم.
ويخشى ناشطون في المجال الاجتماعي من أن يتحول هذا الإغلاق إلى سابقة تطال مبادرات أخرى، ما ينعكس سلباً على ثقة المجتمع المدني والمتبرعين في جدوى الاستثمار الإنساني طويل المدى.
مصير مئات المستفيدين… وذاكرة الشارع
القضية الأكثر إلحاحاً اليوم تتعلق بمصير مئات الأشخاص الذين مروا على المؤسسة، وبعضهم لا يملك أي سند عائلي أو قانوني خارج جدرانها.
فبين كبار سن يعانون من أمراض مزمنة، وشباب فقدوا ذاكرتهم أو قدرتهم على إدارة شؤونهم، وأطفال تم إنقاذهم من العنف الأسري أو الاتجار بالبشر، يصبح الحديث عن إغلاق المكان دون خطة بديلة نوعاً من التخلّي المؤسسي عن أضعف فئات المجتمع.
إلى جانب ذلك، يشكّل غياب المؤسسة ضربة رمزية لثقافة التطوع والعمل الخيري التي شهدت انتعاشاً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، حيث رأى كثيرون في «معانا لإنقاذ إنسان» نموذجاً ناجحاً على إمكانية أن يصنع مجموعة من الشباب كياناً يغيّر حياة الآلاف.
وبين انتقاد رسمي مبطن أحياناً لبعض ممارسات دور الإيواء، وتمسك المتطوعين والمتبرعين بضرورة استمرار التجربة، تبقى الحقيقة أن الشارع سيكون أول من يدفع ثمن أي قرار يغلق باب الرحمة دون بديل حقيقي.










