ضغط دولي وإقليمي متزايد يقيد خيارات الحزب ويعيد تشكيل موازين القوى في لبنان والمنطقة
لم يعد ملف سلاح حزب الله بندًا مؤجّلًا على طاولة التسويات اللبنانية، بل تحوّل إلى محور مركزي في إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط، مع تصاعد الضغوط الدولية وتراجع هوامش الحركة أمام إيران ووكلائها في المنطقة. خبراء ومحللون يرون أن المرحلة الحالية تضع الحزب أمام استحقاق غير مسبوق، تتداخل فيه الحسابات المحلية مع التحولات الإقليمية والدولية.
سلاح مرتبط بمعادلة إقليمية
يرى باحثون في شؤون الأمن القومي أن سلاح حزب الله لم يعد يُناقش باعتباره قضية لبنانية داخلية، بل كجزء من منظومة نفوذ إيرانية أوسع. هذا السلاح، بحسب توصيفهم، صُمّم ليؤدي وظيفة محددة ضمن مشروع إقليمي قائم على إدارة الصراعات عبر وكلاء، لا عبر مواجهة مباشرة.
ويؤكد العميد المتقاعد يعرب صخر أن وظيفة هذا السلاح ارتبطت تاريخيًا بخدمة المشروع الإيراني، معتبرًا أن أي حديث عن نزع السلاح لا يمكن فصله عن مسار تفكيك هذا المشروع نفسه. ويضيف أن المتغيرات الإقليمية الأخيرة أنهت عمليًا مرحلة “التسامح الدولي” مع هذا النموذج.
ما بعد 7 أكتوبر.. نقطة التحول
تشكل أحداث 7 أكتوبر نقطة فاصلة في المقاربة الغربية للمنطقة، وفق تقديرات خبراء استراتيجيين. فالهجوم وما تلاه من تصعيد أمني أعاد تعريف مفهوم “التهديد الوجودي” لإسرائيل، ودفع الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط.
ويرى صخر أن الغرب، وعلى رأسه واشنطن، توصّل إلى قناعة بأن إيران تجاوزت الدور المسموح لها به، وأن استمرار وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة بات يشكل خطرًا مباشرًا على الاستقرار الإقليمي، وليس فقط على أمن إسرائيل.
العقيدة الأمريكية الجديدة
في خلفية هذا المشهد، يبرز ما يصفه محللون بـ”العقيدة الترامبية الجديدة”، والتي تقوم على فرض الاستقرار في الشرق الأوسط كشرط أساسي للتفرغ لمواجهة الصين والقوى الدولية الصاعدة. وضمن هذه الرؤية، يصبح تفكيك السلاح غير الشرعي جزءًا من إعادة هندسة النظام الإقليمي.
الولايات المتحدة، وفق هذه المقاربة، تسعى إلى تأسيس بيئة مستقرة تسمح لها بإعادة توزيع مواردها العسكرية والسياسية، مع ضمان أمن إسرائيل وتحييد مصادر الفوضى الممتدة من لبنان إلى اليمن.
إيران.. من المبادرة إلى الانتظار
يشير محللون إلى أن إيران تمرّ بمرحلة “إمهال لا إهمال”، حيث باتت خياراتها محدودة نتيجة الضغوط الاقتصادية والعسكرية والسياسية. ويرى صخر أن ما يجري ليس تراجعًا تكتيكيًا بل انتظارًا للظرف المناسب، إلا أن قدرة طهران على فرض وقائع جديدة باتت أضعف من السابق.
وفي هذا السياق، فإن أي ضربة مباشرة للمشروع الإيراني ستنعكس تلقائيًا على أذرعه المسلحة، وفي مقدمتها حزب الله، الذي يجد نفسه اليوم أمام واقع استنزاف سياسي وعسكري متراكم.
المسار اللبناني.. خيار واحد
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي زياد عيتاني أن السيناريوهات المطروحة ليست متعددة كما يُشاع، بل تقتصر على مسار واحد يتمثل في الالتزام الكامل بالقرار الدولي 1701 ووقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر 2024.
ويشير عيتاني إلى أن الجيش اللبناني يستعد لرفع تقرير مفصلي إلى مجلس الوزراء خلال الأسابيع المقبلة، يتضمن ملامح المرحلة الثانية من بسط سلطة الدولة شمال نهر الليطاني، ما يمهّد لمؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني.
ما الذي يعنيه ذلك لحزب الله؟
وفق هذا المسار، يجد حزب الله نفسه أمام واقع سياسي وأمني جديد، حيث لم يعد السلاح ورقة تفاوض بل عبئًا استراتيجيًا. الضغوط الدولية، والتحولات الإقليمية، والرهان على الجيش اللبناني كمؤسسة شرعية وحيدة، كلها عوامل تضيق هامش المناورة أمام الحزب.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالًا تدريجيًا من منطق “نزع السلاح بالقوة” إلى منطق “تفكيك الوظيفة”، أي إنهاء الدور الإقليمي للسلاح قبل التعامل مع شكله الميداني.
سلاح حزب الله يدخل أخطر مراحله منذ تأسيسه. فالمعادلة التي حمت وجوده لعقود تتفكك تدريجيًا، والبيئة الإقليمية لم تعد تسمح باستمرار كيانات مسلحة خارج الدولة. وبين ضغط الخارج وحسابات الداخل، يبدو أن الحزب مقبل على خيار وجودي: إما الاندماج في الدولة اللبنانية وفق قواعد جديدة، أو مواجهة عزلة سياسية وأمنية متصاعدة.











