كيف غيّر حضور الرئيس الأمريكي أجندة المنتدى وتراجع تركيزه على القضايا المناخية والاجتماعية لصالح الاقتصاد والسياسة الدولية
ترامب يهيمن على المنتدى بعد تاريخ طويل
على مدى أكثر من خمسين عامًا، كان منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا منصة عالمية لمناقشة المستقبل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، داعيًا إلى تعزيز التجارة الحرة، الديمقراطية، حقوق الإنسان، وحماية البيئة، ودعم العولمة. لكن حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأسبوع لأول مرة شخصيًا منذ 2020، أحدث تأثيرًا واضحًا على شكل المنتدى ومضمونه.
الانتظار كان كبيرًا بسبب تحركات ترامب الأخيرة التي أثارت جدلاً عالميًا: من الهجوم على فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، إلى تهديداته لإيران، وخططه للسيطرة على غرينلاند، إضافة إلى سياساته الاقتصادية العدوانية من خلال فرض تعريفات جمركية وحروب تجارية، وتحديه للمنظمات الدولية، وتراجع الديمقراطية داخليًا. هذه الأحداث وضعت المنتدى أمام اختبار حقيقي لقدرة مؤسساته على الالتزام بمبادئه التقليدية.
تراجع الملف المناخي والاجتماعي لصالح الاقتصاد
نسخة المنتدى لهذا العام شهدت تراجعًا ملحوظًا في القضايا البيئية والاجتماعية التي كانت تشكل جزءًا أساسيًا من جدول أعمال دافوس لسنوات. بينما كان البيان الافتتاحي للمنتدى في 2025 يتناول صراحة التحول المناخي، الطاقة النظيفة، العدالة الضريبية، والمستقبل الشامل، اقتصرت نسخة 2026 على بيان عام يشير إلى “المسائل الأكثر أهمية للناس والاقتصاد والكوكب”، متجنبًا أي ذكر لموضوعات لا تروق للرئيس الأمريكي.
في حين شملت نسخة العام الماضي نحو ثلاثين فعالية حول الأزمة المناخية، اقتصرت النسخة الحالية على أقل من عشرة فعاليات، ومعظمها منخفض المستوى، مع تركيز أكبر على النمو الاقتصادي، الابتكار التكنولوجي، والاستثمارات، وهي الملفات التي يتبناها ترامب بالكامل.
السياسة الدولية محور الاهتمام على هامش الاقتصاد
بالرغم من الطابع الاقتصادي للمنتدى، تظل السياسة الدولية جزءًا مهمًا من النقاشات. يشارك العديد من القادة الأوروبيين بهدف ضبط توجهات ترامب العدوانية، خصوصًا فيما يتعلق بغرينلاند، رغم أن فعالية هذه الجهود تواجه قيودًا أمام النفوذ الكبير للرئيس الأمريكي في المنتدى.
المناقشات الاقتصادية أصبحت مرتبطة أيضًا بالاستراتيجيات الدولية، مثل مواجهة النفوذ الصيني وتعزيز القدرة الأمريكية على قيادة النظام العالمي، ما جعل المنتدى منصة لتقديم الحلول الاقتصادية والسياسية في آن واحد.
تغييرات قيادية داخل المنتدى
المنتدى يمر بمرحلة انتقالية في قيادته بعد استقالة كلاوس شواب، مؤسس المنتدى، العام الماضي، عقب سلسلة فضائح. تولى لاري فينك، المدير التنفيذي لشركة BlackRock، رئاسة المجلس مؤقتًا. كان فينك داعمًا سابقًا للتحول المناخي ومبادئ الرأسمالية الأخلاقية، لكنه تراجع عن هذه المواقف منذ عودة ترامب، مع توجيه المنتدى نحو التوافق مع أولويات الرئيس الأمريكي.
كما شهد المجلس تحولًا آخر، مع تبني بعض أعضائه لقضايا اقتصادية وسياسية تتماشى مع سياسات ترامب، بما في ذلك دعم الابتكار والاستثمار، وتفضيل الملفات الاقتصادية على القضايا البيئية والاجتماعية.
المنتدى يفتح أبوابه لشخصيات جديدة
تغيرات المنتدى جعلته أكثر قبولًا لشخصيات كانت تنتقده سابقًا. على سبيل المثال، نايجل فاراج، زعيم اليمين البريطاني، سيشارك هذا العام بعد سنوات من رفض تأثير المنتدى. من المتوقع أن تحضر رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني لقاء مع ترامب فقط، دون المشاركة الرسمية في المنتدى، وهو مؤشر على أن الشخصيات العالمية تسعى لمواءمة حضورها مع مصالحها السياسية.
السياق التاريخي والدروس المستفادة
منتدى دافوس لطالما تعرض لانتقادات بشأن التناقض بين خطاب المسؤولين والشركات حول الأخلاقيات والتجارة، وما يُعرف بـ”النفاق الدافوسي”، حيث كان الحديث العام عن القيم العليا، بينما كانت الاجتماعات الخاصة تركز على الصفقات الاقتصادية.
لكن هذا العام، يتضح أن تأثير ترامب تجاوز البعد التقليدي للنفاق، ليصبح عاملًا مهيمنًا يحدد ما يُناقش وما يُستبعد، مع تركيز على الاقتصاد والسياسة الدولية، وتجاهل القضايا البيئية والاجتماعية. هذا يعكس حالة جديدة من المنتدى، حيث تتفاعل السلطة الفردية مع المؤسسات الدولية، لتشكيل أجندة تتلاءم مع مصالح شخصية وسياسية محددة.
منتدى دافوس 2026 يمثل تحولًا غير مسبوق في تاريخ المنتدى، حيث فرض الرئيس الأمريكي أجندته الاقتصادية والسياسية على جدول الأعمال، على حساب القضايا البيئية والاجتماعية. التغيرات القيادية في المنتدى، والتحولات في حضور الشخصيات العالمية، تؤكد أن نفوذ الأفراد يمكن أن يعيد تشكيل منصة عالمية عريقة، ما يعكس تحديات كبيرة للمنظمات الدولية في الحفاظ على قيمها التقليدية وسط السياسة العالمية المتغيرة.










