تحركات ترامب لإطلاق مجلس السلام تصطدم بتحفظات أوروبية صارمة، وسط مخاوف من تراجع النفوذ الأوروبي وتأثير المبادرة على ملفات غزة وأوكرانيا.
كشف الاتحاد الأوروبي عن تحفظاته على «مجلس السلام» الأميركي الذي أعلن عنه دونالد ترامب خلال دافوس، مع رفض دول مثل فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، واعتبارات دستورية في ألمانيا وإيطاليا، وسط مخاوف من تقليص دور أوروبا في إدارة النزاعات في غزة وأوكرانيا
أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إطلاق «مجلس السلام» خلال منتدى دافوس صدمة دبلوماسية في أوروبا والعالم. المجلس، الذي طرح بوصفه منصة دولية لمعالجة النزاعات بدءًا من غزة، قابلته دول الاتحاد الأوروبي بتحفظات قوية ورفض مباشر من بعض العواصم، وسط مخاوف من أن يقلّص دور أوروبا في صناعة القرار الدولي ويحوّلها من شريك فاعل إلى جهة هامشية في إدارة الأزمات. تحركات ترامب تعكس محاولة أميركية لإعادة تشكيل آليات التدخل الدولي، ما يفتح نقاشًا عميقًا حول قانونية المجلس، أبعاده السياسية، وتداعياته على ملفات حساسة مثل غزة وأوكرانيا.
هياكل الحوكمة والمخاطر القانونية
التقييم الداخلي لخدمة العمل الخارجي الأوروبي (EEAS) سلط الضوء على المخاوف القانونية الجوهرية المتعلقة بالمجلس. تركّز السلطات في يد رئيس المجلس وحده، وفق ما جاء في التقييم، يشكل تهديدًا لمبدأ التعددية في اتخاذ القرار، ويخرج عن قواعد الاتحاد الأوروبي التي تعتمد على توافق المؤسسات والهيئات المشتركة.
ويؤكد الخبراء الأوروبيون أن أي تجاوز لتفويض مجلس الأمن في غزة قد يخلق سابقة خطيرة، خاصة إذا توسع المجلس لاحقًا للتدخل في نزاعات خارج الإطار الأممي، مثل مناطق النزاع في الشرق الأوسط أو شرق أوروبا، بما في ذلك أوكرانيا.
رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أبدى شكوكًا جدية حول نطاق المجلس وآليات حوكمته، مؤكدًا على ضرورة أن يظل أي تعاون محتمل ضمن حدود المرجعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، بما يحافظ على الدور الأوروبي في المسارات الدبلوماسية التقليدية.
مواقف الدول الأوروبية: بين الرفض والتحفظ
ردود الفعل الأوروبية كانت متباينة، لكنها متسقة في جوهرها مع الحرص على حماية النفوذ الأوروبي:
• فرنسا: رفضت الانخراط رسميًا، معتبرة أن تركيز الصلاحيات بيد رئيس المجلس يتناقض مع مبادئ القانون الدولي ويخرج عن نطاق عمل الأمم المتحدة، معتبرة أن أي معالجة لقضية غزة يجب أن تبقى عبر مجلس الأمن.
• إسبانيا: أصرّت على التعددية والالتزام بالقانون الدولي، مع الإشارة إلى غياب السلطة الفلسطينية عن المجلس، مما يقلل من شرعيته.
• بلجيكا: اعتبرت أن المبادرة تهدف لاستبدال النظام الأممي بمشروع أميركي موازٍ، وهو ما يهدد الدور التقليدي للاتحاد الأوروبي في الوساطة الدولية.
• ألمانيا وإيطاليا: أبدتا تحفظات دستورية حول مشاركة حكوماتهما، مع فتح باب التعاون إذا تم تعديل الهياكل القانونية والحوكمية لتتلاءم مع المعايير الداخلية.
• المملكة المتحدة: رفضت توقيع الميثاق، مشيرة إلى المخاطر السياسية والقانونية لمشاركة روسيا، وما يترتب على ذلك من تأثير مباشر على أدوات الضغط الأوروبية في أوكرانيا.
• المجر وبلغاريا: أظهرت موقفًا أكثر مرونة مع قبول مشروط، يعكس محاولة لموازنة العلاقات مع واشنطن دون التخلي عن المبادئ الأوروبية.
روسيا وأوكرانيا: حساسية مزدوجة
تعد مشاركة روسيا في المجلس نقطة خلاف أساسية. حضور موسكو في منصة جديدة خارج الأمم المتحدة يمكن أن يُفسر على أنه خطوة نحو التطبيع، ما يضعف من منطق العزلة الأوروبية ضد روسيا في النزاع الأوكراني.
وبالإضافة إلى ذلك، أي توسع محتمل لأجندة المجلس ليشمل نزاعات إضافية يجعل مشاركة أوروبا تبدو وكأنها قبول بإطار تفاوضي جديد يدار بقرار مركزي من الرئيس الأميركي، ما يقلص تأثير الاتحاد في صياغة السياسات ويضع أدوات الضغط الأوروبية في موقع ضعيف.
غزة وما بعد الحرب: أرض النفوذ الأوروبي
أحد أهم أسباب التحفظ الأوروبي هو ملف غزة وما بعد الحرب. أوروبا تعتمد على أطرها التقليدية لإدارة إعادة الإعمار والترتيبات الأمنية والمؤسسية. أي محاولة من مجلس السلام للسيطرة على هذه الملفات خارج هذه الأطر قد يحوّل أوروبا إلى جهة داعمة فقط، دون القدرة على التأثير الفعلي في القرار، ما يهدد نموذجها المعتاد في إدارة الأزمات الدولية.
قراءة سياسية واستراتيجية
التحفظات الأوروبية لا تتعلق فقط بالقانون الدولي، بل بالسياسة والنفوذ. المجلس الأميركي يطرح نموذجًا مركزيًا يحد من دور أوروبا ويعيد ترتيب موازين القوى داخل التحالف الأطلسي لصالح واشنطن. هذه الديناميكية الجديدة تهدد التعددية وتقلص قدرة الاتحاد الأوروبي على التأثير في صياغة الحلول للأزمات العالمية.
إضافة لذلك، ربط المجلس بملفات مثل أوكرانيا وغزة يخلق قلقًا من تبعات بعيدة المدى على أدوات الضغط الأوروبية، بما في ذلك العقوبات والسياسات المالية والدبلوماسية، ما قد يعقد أي جهود أوروبية لحماية مصالحها.
الخلاصة والتوقعات المستقبلية
من المرجح أن يثبت الاتحاد الأوروبي موقفه الرافض للانضمام إلى «مجلس السلام» بصيغته الحالية، مع الاعتماد على مسارات تنسيق بديلة مع أطراف إقليمية مؤثرة في غزة. الهدف الأوروبي يبدو واضحًا: الحفاظ على مساحة الفعل، منع تحويل المجلس إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ الدولي، وضمان استمرار تأثير أوروبا في إدارة مرحلة ما بعد النزاعات، سواء في غزة أو في أي نزاع محتمل مستقبلي.











