الرباط وأديس أبابا يوقعان شراكة استراتيجية : مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة توسّع نفوذها الديني عبر القارة الإفريقية.
المغرب وإثيوبيا يوقعان اتفاقيات لتدريب 200 إمام وتعزيز التعاون الديني، ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة توسّع نفوذها بالقارة الإفريقية لمواجهة التطرف وتعزيز الاستقرار.
زيارة تاريخية لتعزيز التعاون الديني
وقّعت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، ممثلة بوفد رسمي ضم عثمان صاقلي ورفاقه من مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الإثيوبي لتعزيز التعاون الديني وتدريب الأئمة. جاءت هذه الزيارة التاريخية إلى أديس أبابا في إطار مساعي المغرب لتعزيز نفوذه الديني والثقافي في إفريقيا، خصوصًا في منطقة القرن الإفريقي التي تمثل أهمية استراتيجية بسبب موقعها الجيوسياسي وتأثيرها الديني والاجتماعي.
شارك في الوفد المغربي أيضًا محمد رفقي رئيس مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، عبد السلام لزعر مدير معهد محمد السادس لتكوين الأئمة، سعيد بشار كاتب عام المجلس العلمي الأعلى، وتوفيق الغلبزوري عضو المجلس العلمي الأعلى، في خطوة تؤكد جدية المغرب في تطوير الشراكة الدينية وتعزيز تبادل الخبرات بين البلدين.
تدريب الأئمة ونقل التجربة المغربية
تعد الاتفاقيات الموقعة على تدريب 200 إمام إثيوبي على مدى سنوات، في معهد محمد السادس لتكوين الأئمة بالرباط، خطوة نوعية لنقل الخبرات المغربية في إدارة الشأن الديني. البرنامج التدريبي شامل على مرحلتين، حيث يطّلع الأئمة على التجربة المغربية في:
• تدبير الشأن الديني وفق معايير الوسطية والاعتدال.
• إعداد القيادات الدينية المحلية بما يواكب خصوصيات المجتمعات الإثيوبية.
• نقل منهجية التدريس الشرعي والأطر التنظيمية المستخدمة داخل مؤسسات المغرب الدينية.
ويهدف التدريب إلى تعزيز الهوية الإسلامية المعتدلة ومواجهة الأفكار المتطرفة، خاصة مع وجود جماعات إرهابية محدودة داخل إثيوبيا مثل حركة الشباب الصومالية وتنظيم داعش، فضلاً عن التوترات الإثنية والسياسية في بعض مناطق البلاد.
مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة: استراتيجية النفوذ الديني
تلعب مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة دورًا محوريًا في توسيع النفوذ المغربي بالقارة الإفريقية من خلال:
1. منطق صناعة الأثر ومأسسة النموذج بدل إدارة الأنشطة فقط.
2. إنشاء منصات إلكترونية للفتوى الشرعية الإفريقية منذ 2023، لتعزيز الفكر الوسطي ومواجهة التطرف.
3. تعميق النفوذ الرمزي والميداني في مناسبات دينية كبرى، مثل الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد النبي محمد ﷺ، مما يعكس استراتيجية المغرب لمد نفوذه الديني من غرب إفريقيا إلى الشرق الإفريقي.
أهمية التعاون المغربي-الإثيوبي
يشكل الإسلام نحو 35% من سكان إثيوبيا، ويتركز في أقاليم الصوم، أمهرة، أوجاد، وتيغراي. التعاون المغربي الإثيوبي سيساهم في:
• توسيع النفوذ الإسلامي الوسطي داخل إثيوبيا والحد من انتشار التطرف.
• تعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي عبر تطوير أدوات الشؤون الدينية وإعداد قيادات محلية مؤهلة.
• دعم التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين المغرب وإثيوبيا، خصوصًا بعد نجاح المغرب في توسيع نفوذه في غرب إفريقيا والقرن الإفريقي مؤخرًا.
كما يتيح التعاون تبادل الخبرات بين مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الإثيوبي، ما يفتح الباب أمام برامج مشتركة للتعليم الشرعي، ودورات تدريبية متقدمة للأئمة، وتعزيز العمل المشترك لمكافحة الفكر المتطرف.
الأبعاد السياسية والدينية
يعتبر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الإثيوبي هيئة مستقلة تدير الشأن الديني منذ عقود، وحصل على اعتراف رسمي من الحكومة والبرلمان الإثيوبي عام 2020. ويرى الخبراء أن التعاون المغربي الإثيوبي ليس فقط دينيًا، بل له أبعاد استراتيجية وسياسية، إذ يعزز النفوذ المغربي في منطقة القرن الإفريقي، ويساهم في مواجهة النفوذ المتطرف داخليًا وخارجيًا، مع الحفاظ على الهوية الدينية والممارسات المحلية.
تأتي هذه الخطوة في سياق جهود المغرب لتوسيع أدوات التعاون الديني مع الدول الإفريقية، بما يشمل:
• دعم برامج التعليم الديني المعتدل.
• تطوير مناهج التدريب والتأهيل للأئمة.
• استثمار التجربة المغربية الرائدة في مجال الفتوى والأنشطة الدينية المنظمة.
تداعيات مستقبلية
من المتوقع أن يسهم تطوير هذه الشراكة في:
• تعزيز الاستقرار الديني والاجتماعي في إثيوبيا.
• توطيد النفوذ المغربي الوسطي في إفريقيا، من غرب القارة حتى القرن الإفريقي.
• مكافحة التطرف والإرهاب عبر تفعيل برامج تدريبية متقدمة للأئمة.
• فتح مجالات التعاون الإقليمي والدولي بين المغرب وإثيوبيا في التعليم والدين والسياسة.
وتعكس هذه الاتفاقيات رؤية المغرب لتحويل التدخل الديني من إدارة أنشطة محددة إلى صناعة أثر طويل المدى، بما يعزز موقعه كمرجعية دينية وثقافية في القارة الإفريقية.











