الأونكتاد يصفق ومصر تدفع الثمن: هل تُخفي أرقام الاستثمار الأجنبي أزمة تنمية حقيقية؟
يُظهر تقرير الأونكتاد الأخير صورة مزدوجة لمصر: إشادة بدورها كأكبر مستقبل للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا، وتحذير ضمني من هشاشة مناخ الاستثمار عالميًا وتباطؤ المشروعات الإنتاجية والتنموية.
ما هو تقرير الأونكتاد الأخير وما سياقه العالمي؟
أصدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) تقريره السنوي حول “اتجاهات الاستثمار العالمية” وتقرير “الاستثمار العالمي 2025″، والذي يرصد حركة الاستثمار الأجنبي المباشر حول العالم وتوزيعها بين الدول المتقدمة والنامية.
التقرير أوضح أن الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي ارتفع في 2025 بنسبة تقارب 14% ليصل إلى نحو 1.6 تريليون دولار، لكن هذه الزيادة تأثرت بتدفقات “عابرة” عبر مراكز مالية، بينما يظل أساس النشاط الاستثماري الحقيقي ضعيفًا.
في المقابل، حذّر الأونكتاد من استمرار تراجع تمويل المشروعات الدولية، لا سيما في الدول منخفضة الدخل، وتراجع مشروعات البنية التحتية والطاقة المتجددة بنسب ملحوظة، وهو ما يعكس بيئة عالمية مضطربة للاستثمار، حتى لو بدت الأرقام الإجمالية إيجابية.
موقع مصر في تقرير الأونكتاد
أكد الأونكتاد في تقريره الصادر في يناير 2026 أن مصر تصدرت قائمة الدول الإفريقية في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، لتصبح أكبر دولة مضيفة للاستثمار في القارة، رغم تراجع التدفقات على مستوى إفريقيا بأكثر من الثلث في 2025.
بلغ إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر نحو 11 مليار دولار خلال 2025، بحسب ما نقلته وسائل إعلام اقتصادية عن التقرير الأخير للأونكتاد، مع التأكيد على استمرار جاذبية السوق المصرية في سياق إفريقي يعاني من انكماش الاستثمارات.
تقرير الاستثمار العالمي للأونكتاد عن 2024–2025 أظهر أيضًا أن مصر كانت المحرك الرئيسي لارتفاع الاستثمارات في إفريقيا خلال 2024، مدفوعة بصفقات ضخمة مثل مشروع “رأس الحكمة” الذي ساهم في قفزة كبيرة في ترتيب مصر بين أهم وجهات الاستثمار عالميًا.
إشادات رسمية… ولكن بأي ثمن؟
الحكومة المصرية سارعت إلى استثمار مضمون تقرير الأونكتاد في الخطاب الرسمي، مشددة على أن تقدم ترتيب مصر إلى المركز التاسع عالميًا في بعض تصنيفات تدفقات الاستثمار واحتفاظها بصدارة إفريقيا يعكس نجاح “برنامج الإصلاح الاقتصادي” و”تحسين مناخ الأعمال”.
تصريحات مسؤولي الاستثمار والتخطيط ركزت على أن الأرقام تؤكد “ثقة المستثمرين” في السوق المصرية، وعلى أن الدولة تمضي في هيكلة الاقتصاد لصالح دور أكبر للقطاع الخاص وجذب رؤوس أموال طويلة الأجل في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتحول الرقمي.
في المقابل، يتجاهل الخطاب الرسمي أن جزءًا معتبرًا من هذه التدفقات يرتبط بصفقات استثنائية كبرى وصفها بعض الخبراء بأنها “بيع أصول” أو “تسييل لأراضٍ ومشروعات استراتيجية” أكثر من كونها توسعًا إنتاجيًا يخلق قاعدة صناعية مستدامة وفرص عمل واسعة.
ما الذي لا يقوله الخطاب الرسمي عن تقرير الأونكتاد؟
الأونكتاد نفسه يحذر في التقرير من أن تعافي الاستثمار الأجنبي عالميًا “ظاهري” ومحدود في أساسيات النشاط، في ظل تراجع صفقات الاندماج والاستحواذ العابرة للحدود بنسبة تقارب 10%، وانخفاض تمويل المشروعات الدولية بنحو 16% من حيث القيمة و12% من حيث عدد الصفقات، للعام الرابع على التوالي.
التقرير يسجل ضعفًا واضحًا في الاستثمارات الموجهة لقطاعات حيوية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل؛ ما يعني أن تصدر دولة ما لقوائم التدفقات لا يعني بالضرورة تغيرًا في جودة النمو أو توزيع ثماره اجتماعيًا.
بالنسبة لمصر، يثير هذا التساؤلات حول نوعية الاستثمارات الواردة: هل تتجه بالفعل إلى الصناعة والتصدير والتكنولوجيا، أم تتركز في مشروعات عقارية وخدمية كثيفة الرساميل محدودة الأثر على هيكل الإنتاج وفرص العمل؟ وهو سؤال لا يجيب عنه التقرير صراحة، لكنه ينعكس في هيمنة عدد محدود من الصفقات الضخمة على الأرقام.
بين الرقم والتنمية الفعلية
القراءة النقدية لتقرير الأونكتاد ترى أن الاحتفال الرسمي بمكانة مصر في إفريقيا يتجاهل استمرار تحديات رئيسية: ارتفاع المديونية، ضعف الإنتاج الصناعي، ضغط التضخم على مستوى معيشة المواطنين، وتراجع الاستثمار المحلي الخاص، وهي عناصر لا تعالجها تلقائيًا أي قفزة في الاستثمارات الأجنبية.
كما تشير هذه القراءة إلى أن تعويل الاقتصاد على تدفقات استثمارية مرتبطة بصفقات استثنائية أو بمناخ إقليمي مضطرب يجعل مصر معرضة بشدة للتقلبات؛ فإذا تباطأت هذه التدفقات أو تغيرت أولويات الصناديق السيادية والشركات الدولية، سيظهر سريعًا مدى هشاشة النمو القائم على “الاستثمار الأجنبي وحده”.











