تصاعدت في الأيام الأخيرة شكاوى المستوردين ووكلاء الشحن الجوي من تطبيق نظام التسجيل المسبق للشحنات الجوية ACI، مع بدء إلزاميته في الأول من يناير 2026 على كل الشحنات الواردة إلى المطارات المصرية، بين حديث رسمي عن “نقلة رقمية” وواقع عملي يشهد أعطالًا تقنية وتكدسًا وتكاليف إضافية.
ما هو نظام ACI الجوي وكيف طُبّق؟نظام التسجيل المسبق للشحنات ACI هو إجراء جمركي إلكتروني يُلزم المستورد بالحصول على رقم تعريفي مسبق للشحنة (ACID) قبل شحن البضاعة من بلد التصدير، وإرسال الفاتورة المبدئية والمستندات عبر منصة “نافذة” لتمكين الجمارك من تقييم المخاطر مسبقًا.
بعد تجربة النظام أولًا في الشحن البحري منذ أكتوبر 2021، أعلنت مصلحة الجمارك توسيع نطاقه ليشمل الشحن الجوي، مع فترة تجريبية امتدت حتى نهاية ديسمبر 2025، على أن يصبح التطبيق إلزاميًا اعتبارًا من 1 يناير 2026، وعدم السماح بدخول أي شحنة غير مسجلة على النظام.
يعتمد النظام على تكامل “نافذة” مع منصة CargoX التي يُرسل عبرها المصدّر الأجنبي مستندات الشحنة بعد استلام رقم ACID، ما يعني أن أي خطأ أو تأخير في هذه السلسلة ينعكس مباشرة على قبول أو رفض الشحنة عند وصولها للمطار.
تبريرات الحكومة: سرعة، أمان، وتحول رقمي
وزارة المالية ومصلحة الجمارك تؤكدان أن ACI الجوي يهدف إلى تسريع الإفراج الجمركي، وتقليل زمن بقاء البضائع في المطارات، وخفض التكلفة الكلية للتخليص، مع حماية السوق من البضائع مجهولة المصدر أو المجهولة بياناتها.
الوزير أحمد كجوك ومسؤولو الجمارك يشددون على أن النظام لا يفرض أي رسوم جديدة على المستوردين، وأنه جزء من التحول الرقمي وبناء “شراكة ثقة” مع مجتمع الأعمال، مع وعد بتكثيف الدعم الفني والرد السريع على الاستفسارات.
في التصريحات الإعلامية، يشير رئيس مصلحة الجمارك إلى أن التجربة في الشحن البحري “حققت نجاحًا كبيرًا” في خفض زمن الإفراج، وأن عددًا من الشركات التي تعاملت مبكرًا مع النظام الجوي أكد استفادته من تبسيط الإجراءات وتقليل الفاقد في المستندات.
تعدد الشكاوى: من الأعطال إلى التكدس
على الجانب الآخر، تظهر في تصريحات غير رسمية، ومداخلات عبر البرامج الاقتصادية، شكاوى متكررة من مستوردين ووكلاء شحن عن أعطال متكررة في منصة “نافذة” وصعوبة الحصول على أرقام ACID في المواعيد المناسبة، خاصة مع ضيق الوقت بين التعاقد والتسليم في الشحن الجوي.
بعض الشكاوى تركز على رفض موردين أجانب – خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة – التعامل مع منصة CargoX أو إدخال بيانات إضافية يعتبرونها “إجراءات داخلية مصرية”، ما أدى إلى تأجيل شحنات، أو تكدس بضائع في مطارات دولية انتظارًا لاستكمال إجراءات لا تخصهم مباشرة.
تقارير إعلامية واستفسارات مكررة إلى “نافذة” وجمارك المطارات تشير إلى وجود شحنات متكدسة أو مهددة بغرامات أرضيات في المطارات، بسبب عدم إدراج رقم ACID في بوليصة الشحن، أو اختلاف البيانات بين ما هو مُسجل إلكترونيًا وما تحمله الأوراق الفعلية، بما يعرض المستورد لغرامات تصل إلى 30 ألف جنيه وفق قانون الجمارك.
فجوة بين الخطاب الرسمي وتجربة المتعاملين
في الوقت الذي تتحدث فيه وزارة المالية عن “تفاعل إيجابي” و”استجابة من مجتمع الأعمال”، تكشف أسئلة المتعاملين المنشورة على بوابة “نافذة” والقنوات الرسمية عن نقص في التدريب العملي، خاصة للمستوردين الصغار، وعدم وضوح في كيفية تعديل الأخطاء قبل الشحن أو التعامل مع حالات الشحن السريع.
بعض مداخلات رؤساء شُعب استيراد وشركات لوجستية تعترف بأن الفكرة في حد ذاتها جيدة من حيث الرقابة المسبقة وتقليل التلاعب، لكنها ترى أن “سرعة الإلزام” دون اكتمال البنية التقنية وإتاحة فترة انتقالية أوسع في الشحن الجوي – الذي يعتمد على السرعة – جعلت النظام عبئًا إضافيًا لا أداة تسهيل.
الإشكال يتفاقم مع اختلاف مستوى الجاهزية بين الشركات الكبرى متعددة الجنسيات التي تملك فرقًا قانونية وتقنية، وبين آلاف المستوردين الصغار الذين يتعاملون مع مستخلصين جمركيين محدودي الخبرة الرقمية، ما يخلق فجوة في القدرة على التكيّف مع المنظومة الجديدة.
رقمنة مفروضة أم إصلاح حقيقي؟
القراءة المعارضة تعتبر أن الحكومة استخدمت نجاح ACI البحري كذريعة للتسريع في تعميمه على الشحن الجوي، دون أن تراعي اختلاف طبيعة البضائع، وحساسية الوقت خاصة للأدوية والمستلزمات الطبية والمنتجات سريعة التلف التي يهددها أي تأخير أو تكدس.
كما تُثار تساؤلات حول مدى قدرة منصات مثل “نافذة” وCargoX على استيعاب الضغط المتزايد دون أعطال، ومدى توافر كوادر دعم فني حقيقية قادرة على حل مشاكل المتعاملين في الوقت الفعلي، وليس الاكتفاء ببيانات تهدئة للرأي العام.
في ظل أزمة عملة صعبة وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل عالميًا، يرى منتقدون أن نقل عبء الأخطاء التقنية واللوجستية إلى كاهل المستورد – بالغرامات والمهل الزمنية الصارمة – قد يفاقم من أزمة الأسعار في السوق المحلي، ويضيف طبقة جديدة من عدم اليقين في حركة التجارة.











