إيطاليا انتقلت خلال أيام قليلة من موقع المتحفظ داخل الاتحاد الأوروبي إلى رأس حربة دبلوماسية تدفع بقوة نحو تصنيف الحرس الثوري الإيراني “منظمة إرهابية”، في خطوة تعكس تحوّلًا مهمًا في مزاج العواصم الأوروبية تجاه طهران بعد قمع الاحتجاجات وتزايد الاتهامات بالتورط في حروب الوكالة في المنطقة وأوكرانيا.
تفاصيل الموقف الإيطالي الجديد
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني أعلن أن روما ستتقدم رسميًا باقتراح في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، يدعو إلى إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة التنظيمات الإرهابية الأوروبية، مع فرض عقوبات فردية على قياداته الضالعة في قمع المتظاهرين.
تاجاني برر هذا التحرك بما وصفه بـ”الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين” خلال الاحتجاجات الأخيرة داخل إيران، مؤكدًا أن “ما جرى يتطلب ردًا واضحًا” من الاتحاد الأوروبي، وأن بلاده لن تكتفي بالعقوبات التقليدية على بعض المسؤولين بل تريد استهداف البنية العسكرية والأمنية للحرس نفسه.
هذا الموقف يمثل انعطافة، إذ كانت إيطاليا في السابق ضمن الدول المتحفظة على خطوة التصنيف، مفضّلة الإبقاء على قنوات حوار مع طهران للحفاظ على مصالحها الاقتصادية وملف الطاقة، قبل أن تتراجع أمام ضغوط الرأي العام الأوروبي والمعارضة الإيرانية في الخارج.
كيف ينسجم التحرك مع المزاج الأوروبي العام؟
الدعوة الإيطالية تأتي في سياق أوسع من الضغوط الأوروبية المتزايدة لإدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب، بعدما صوّت البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة في وقت سابق على توصية غير ملزمة تطالب الحكومات باتخاذ هذه الخطوة، مستندًا إلى سجل الحرس في القمع الداخلي وتهديد الأمن الإقليمي.
الاتحاد الأوروبي فرض بالفعل حزمًا واسعة من العقوبات على مئات المسؤولين والكيانات الإيرانية بسبب قمع الاحتجاجات ودعم روسيا بالطائرات المسيرة والصواريخ في حربها على أوكرانيا، لكن هذه العقوبات لم تصل حتى الآن إلى مستوى إدراج الحرس ذاته كمنظمة إرهابية على مستوى الاتحاد.
تقارير أوروبية تشير إلى أن دولًا مثل ألمانيا ودول البلطيق تدعم تشددًا أكبر تجاه الحرس، بينما كانت دول أخرى – بينها فرنسا وإسبانيا – تتحفظ بحجة القيود القانونية وصعوبة جمع قرار قضائي أوروبي مشترك يمكن الاستناد إليه في عملية التصنيف.
رد فعل إيران وتحذيرات من “عواقب”طهران ردت سريعًا على الخطوة الإيطالية، فاستدعت السفير الإيطالي للاحتجاج على تصريحات تاجاني، ووصفتها بأنها “غير مسؤولة” و”تدخّل سافر في الشؤون الداخلية” لإيران، محذرة من “عواقب وخيمة” إذا مضت أوروبا في طريق تصنيف الحرس منظمة إرهابية.
مسؤولون في الخارجية الإيرانية حذّروا من أن هذه الخطوة إن تمت ستضر بالعلاقات السياسية والاقتصادية مع روما والاتحاد الأوروبي، ملمّحين إلى احتمال اتخاذ إجراءات مضادة، سواء على مستوى التعاون الدبلوماسي أو في الملفات الإقليمية التي تحظى فيها إيران بأوراق نفوذ.
في المقابل، رحّب معارضون إيرانيون في الخارج، بينهم رضا بهلوي، بموقف إيطاليا، واعتبروه انتصارًا معنويًا لضحايا القمع، ودعوا بقية العواصم الأوروبية إلى تجاوز “الذرائع الإجرائية” والمضي في تصنيف الحرس، بوصفه – من وجهة نظرهم – “عمودًا فقريًا لنظام القمع في إيران”.
ماذا يعني تصنيف الحرس الثوري إرهابيًا؟
إدراج الحرس الثوري على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية سيضعه في مصاف تنظيمات مثل “داعش” و”القاعدة”، ويترتب عليه تجميد أصوله المحتملة في أوروبا، وحظر تقديم أي تمويل أو موارد اقتصادية له أو لأي كيان مرتبط به، إضافة إلى قيود مشددة على سفر أفراده إلى دول الاتحاد.
خطوة كهذه ستفتح الباب أيضًا أمام تحقيقات وملاحقات قضائية في دول الاتحاد لكل من يُتهم بالتعاون المالي أو اللوجستي مع الحرس، كما ستجعل الشركات الأوروبية أكثر حذرًا في أي تعامل غير مباشر مع كيانات اقتصادية إيرانية يُشتبه في ارتباطها به.
سياسيًا، سيُنظر إلى تبنّي الطلب الإيطالي كتصعيد كبير في المواجهة الغربية مع طهران، يضاف إلى العقوبات الأمريكية القائمة بالفعل، وقد يدفع إيران إلى مزيد من التشدد في ملفات الاتفاق النووي، ودعم الحلفاء الإقليميين، والتعاون العسكري مع روسيا.
مصالح إيطاليا بين مبدأ العقاب وحسابات الطاقة
القراءة المعارضة لخطوة روما ترى أن إيطاليا تحاول استثمار ملف حقوق الإنسان في إيران لتحسين صورتها داخل الاتحاد الأوروبي، وربما لتعزيز موقعها التفاوضي في ملفات أخرى،
فيما يبقى السؤال الحقيقي: إلى أي حد ستغامر روما بعلاقاتها الاقتصادية مع طهران في ظل أزمة الطاقة الأوروبية؟
منتقدون يشيرون إلى أن إيطاليا – مثل غيرها من الدول الأوروبية – حافظت لسنوات على نهج أكثر براغماتية تجاه إيران عندما كانت تحتاج إلى نفطها وغازها، وأن التحوّل اليوم يرتبط أيضًا بتقارب أوثق مع واشنطن وتنسيق مع تحركات عسكرية غربية في الشرق الأوسط ضد أذرع إيران.
بين خطاب رسمي يتحدث عن “واجب أخلاقي” لمعاقبة الحرس بسبب القمع الداخلي، وبراغماتية سياسية واقتصادية لم تختفِ من المشهد، يبقى مستقبل الطلب الإيطالي مرهونًا بتوازنات معقدة داخل الاتحاد الأوروبي، وبمدى استعداد العواصم الكبرى لدفع ثمن التصعيد مع طهران في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية.











