التطورات بين باكستان وأفغانستان خرجت في الشهور الأخيرة من إطار التوتر الحدودي التقليدي إلى مشهد مركّب يجمع بين اشتباكات مسلحة متقطعة، وضغوط متبادلة بشأن حركة اللاجئين، وتصاعد تهديد تنظيم طالبان باكستان (TTP)، ما يهدد بانزلاق المنطقة إلى دائرة عنف أوسع وثمن إنساني مرتفع.
اشتباكات حدودية وهدنة هشة
خلال ديسمبر 2025 اندلعت اشتباكات عنيفة بين القوات الباكستانية والأفغانية على طول الحدود، خاصة في منطقة سبين بولدك–تشامان، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن خمسة مدنيين أفغان بينهم أطفال ونساء، في خرق لهدنة هشة كانت قائمة منذ نحو شهرين.
كل طرف حمّل الآخر مسؤولية “إطلاق النار غير المبرر”، فالمتحدث باسم طالبان الأفغانية اتهم القوات الباكستانية ببدء الهجوم بقنبلة يدوية على الجانب الأفغاني، بينما تحدث مسؤولون باكستانيون عن “إطلاق نار استفزازي” من طالبان عبر الحدود.
هذه الجولة جاءت بعد تصعيد أكبر في أكتوبر 2025 عندما شنّت باكستان ضربات جوية داخل الأراضي الأفغانية في كابول وخوست وننجرهار وبكتيكا، قالت إنها تستهدف معاقل طالبان باكستان، لترد طالبان الأفغانية بهجمات منسقة على مواقع عسكرية باكستانية على الحدود، في أسوأ مواجهة بين الطرفين منذ سيطرة طالبان على كابول عام 2021.
طالبان باكستان في قلب الأزمة
ترى إسلام آباد أن جذور التوتر مع كابول تعود أساسًا لرفض طالبان الأفغانية اتخاذ إجراءات حاسمة ضد حركة طالبان باكستان (TTP)، التي كثفت هجماتها داخل باكستان في 2024 و2025 مستهدفة الجيش والشرطة في المناطق الحدودية.
تقارير أمنية تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من مقاتلي طالبان باكستان اتخذوا من شرق أفغانستان ملاذًا خلفيًا، يتحركون عبر الحدود إلى وادي تيرا ومناطق قبلية أخرى، ما دفع الجيش الباكستاني للتحضير لعملية واسعة هناك، وأدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين خوفًا من القصف والمعارك.
طالبان الأفغانية تنفي بشكل رسمي السماح باستخدام أراضيها ضد باكستان، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب صدام مباشر مع طالبان باكستان لأسباب أيديولوجية وقبلية، وهو ما تعتبره إسلام آباد “تواطؤًا عمليًا” يبرر الضربات داخل العمق الأفغاني.
اللاجئون الأفغان: ثمن الصراع على البشر
بالتوازي مع التصعيد الأمني، بدأت باكستان في 2025 تنفيذ سياسة صارمة لإبعاد اللاجئين والمهاجرين الأفغان، تحت شعار “ترحيل الأجانب غير الشرعيين”، شملت حاملي بطاقات اللجوء الرسمية، مع منحهم مهل قصيرة قبل بدء الاعتقالات والترحيل القسري.
حتى منتصف ديسمبر 2025 قدّر تقرير إنساني عدد العائدين من باكستان إلى أفغانستان بنحو 942 ألف شخص خلال عام واحد، ضمن نحو 2.8 مليون عادوا من إيران وباكستان مجتمعة، في موجة نزوح عكسي ضخمة فاقمت الأزمة الإنسانية داخل أفغانستان.
الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية حذّرت من أن 67% من هؤلاء تم ترحيلهم قسرًا، وأن الكثير منهم – خاصة النساء والفتيات – يواجهون مخاطر حقيقية عند العودة في ظل انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان تحت حكم طالبان، داعية إسلام آباد لوقف الترحيلات والالتزام بالمعايير الدولية لحماية اللاجئين.
حدود مغلقة وتوترات اجتماعيةإغلاق المعابر الحدودية الرئيسية – مثل طورخم وتشامان – في فترات متكررة منذ خريف 2025 بسبب الاشتباكات والخلافات السياسية، أدى إلى شلل في حركة التجارة واحتجاز مئات الأشخاص على الجانبين، بينهم طلاب باكستانيون عالقون داخل أفغانستان.
تقارير صحفية نقلت عن مسؤولين باكستانيين أن فتح معبر طورخم مؤقتًا في يناير 2026 سُمح به فقط ليومين لمرور الطلاب العالقين، قبل أن تتعثر العملية بسبب شروط وضغوط من جانب سلطات طالبان، ما يعكس حجم عدم الثقة بين الطرفين حتى في الملفات الإنسانية.
داخل باكستان، ترتفع أصوات احتجاج من المجتمعات البشتونية في الشمال الغربي التي تتحمل كلفة العمليات العسكرية والتهجير، فيما تحاول الحكومة المركزية الموازنة بين مطلب الأمن والتزاماتها تجاه السكان المحليين، وسط أزمة اقتصادية وسياسية خانقة.
أمن أم تصدير للأزمة؟
القراءة الباكستانية الرسمية تضع كل العبء على طالبان الأفغانية وتتهمها بعدم ضبط الحدود واحتضان طالبان باكستان، لكن منتقدين يرون أن إسلام آباد تدفع ثمن سياسات سابقة اعتمدت على الجماعات المسلحة كأدوات نفوذ، وأن الحل الأمني وحده لن يوقف دوامة العنف في المناطق الحدودية.
في المقابل، خطاب طالبان الأفغانية يعتبر أن باكستان تحاول تصدير أزماتها الداخلية – من صراع سياسي وأزمة اقتصادية واحتجاجات – إلى الخارج عبر خلق عدو دائم على الحدود، مستخدمة ورقة اللاجئين لتغيير التركيبة السكانية على حساب الأفغان الفارين من القمع والفقر.
وبين استراتيجيات “القبضة الأمنية” والتوظيف السياسي لملف اللاجئين، يظل المدنيون – من سكان وادي تيرا إلى العائدين قسرًا إلى قندهار وكابول – هم الحلقة الأضعف، يدفعون ثمن مواجهة مفتوحة بين قوتين متجاورتين عاجزتين حتى الآن عن إنتاج صيغة مستقرة للتعايش وحماية الحدود دون تحويلها إلى ساحة حرب دائمة.










