أثار جنوح سفينة البضائع العامة FENER قبالة سواحل بورسعيد، منذ نحو أسبوعين، قلقًا متناميًا بشأن التداعيات البيئية والاقتصادية المحتملة، رغم تأكيد هيئة قناة السويس أن الحادث وقع خارج المجرى الملاحي للقناة ولا يؤثر على حركة السفن العابرة.
وفي أحدث رد فعل رسمي، وجّهت الهيئة تحذيرًا واضحًا لمالك السفينة، محمّلة إياه المسؤولية الكاملة عن أي آثار قد تترتب على استمرار الوضع الراهن دون تحرك.
أين جنحت السفينة وما وضع الملاحة؟
بحسب بيان هيئة قناة السويس، تقع السفينة الجانحة على مسافة تقدر بنحو 5 أميال غرب المدخل الشمالي للقناة في البحر المتوسط، أي خارج نطاق المجرى الملاحي وخارج الولاية القانونية المباشرة للهيئة.
وأكدت الهيئة أن حركة الملاحة في قناة السويس تسير بمعدلاتها الطبيعية من الاتجاهين، من دون أي تأثر بحادث الجنوح، مع استمرار عبور عشرات السفن يوميًا بما يحافظ على انتظام التجارة العالمية عبر القناة.
وتحمل السفينة FENER شحنة من الملح، وتبلغ حمولتها الإجمالية نحو 4700 طن، بطول يصل إلى 132.3 متر وعرض 16.5 متر وغاطس 3.5 أمتار، ما يجعلها من فئة سفن البضائع العامة متوسطة الحجم مقارنة بالعمالقة التي تعبر القناة بشكل يومي.
وتشير هذه المواصفات إلى أن السفينة ليست ضمن الفئة الأكثر خطرًا من حيث حجم الوقود المخزن أو تأثيرها المحتمل على المجرى الملاحي، لكنها في الوقت نفسه ليست بلا مخاطر على البيئة البحرية في منطقة الجنوح.
خارج الولاية.. لكن تحت المراقبة
رغم أن موقع السفينة يقع خارج نطاق الولاية القانونية لقناة السويس، شددت الهيئة في بيانات متتالية على أنها تتابع الوضع الفني والبيئي للسفينة بشكل دوري من خلال فرق الإنقاذ والفرق الفنية التابعة لها.
وتركز المتابعة على التأكد من عدم وجود تسرب للوقود أو أي ملوثات قد تؤثر على البيئة البحرية أو الشواطئ القريبة من بورسعيد.
وأوضحت الهيئة أن السفينة تعمل بالسولار الخفيف وليس بالمازوت الثقيل، وأن حجم خزانات الوقود صغير نسبيًا نظرًا لصغر حجم السفينة، وهو ما يقلل نسبيًا من المخاوف البيئية، ويسهل التعامل مع أي تسرب محتمل إن حدث.
ومع ذلك، تؤكد الهيئة استمرارها في مراقبة الوضع بالتنسيق مع الجهات المعنية، من بينها هيئة السلامة البحرية ووزارة البيئة والقوات البحرية ومحافظة بورسعيد.
تحذير مباشر للمالك ومسؤولية كاملة
في تطور لافت، كشفت هيئة قناة السويس أنها خاطبت مالك السفينة عبر التوكيل الملاحي المعتمد، مطالبة بسرعة اتخاذ إجراءات انتشال السفينة أو طلب الدعم الفني والإنقاذ من الجهات المختصة.
وحذرت الهيئة المالك من تحمّل المسؤولية الكاملة عن أي آثار اقتصادية أو بيئية يمكن أن تنتج عن استمرار السفينة في وضعها الحالي قبالة السواحل المصرية.
وأكدت الهيئة في أكثر من بيان أنها لم تتلق حتى الآن أي طلبات رسمية من مالك السفينة أو من الجهات القانونية المعنية لتقديم خدمات الدعم الفني أو الإنقاذ، رغم مرور فترة ليست قصيرة على حادث الجنوح.
ومع ذلك، شددت على جاهزيتها الكاملة لتقديم الاستشارات الفنية والدعم الفني واللوجستي اللازم، بل واللجوء إلى إجراءات قانونية مثل الحجز التحفظي على السفينة في حالات الضرورة القصوى، إذا ما تم إدخالها ضمن نطاق الولاية القانونية ووجود مبررات واضحة.
لماذا التشدد الآن؟ …ذاكرة “إيفر غيفن” حاضرة
حساسية ملف السفن الجانحة بالنسبة لقناة السويس لا يمكن فصلها عن أزمة سفينة الحاويات العملاقة “إيفر غيفن” التي جنحت داخل القناة عام 2021 وأغلقت الممر الملاحي لستة أيام، مسببة خسائر ضخمة واضطرابًا واسعًا في حركة التجارة العالمية.
حينها دخلت هيئة قناة السويس في مسار قانوني معقد للمطالبة بتعويضات عن الأضرار والخسائر، وشهدت المحاكم الاقتصادية في الإسماعيلية مرافعات مطولة حول مسؤولية القبطان والهيئة والتعويضات المستحقة.
هذا السياق يجعل تحرك قناة السويس الحالي أقرب إلى محاولة “استباقية” لمنع تحوّل حادث FENER إلى أزمة ممتدة، سواء بيئيًا أو قانونيًا.
فالتحذير المبكر من مسؤولية المالك عن الآثار البيئية والاقتصادية، مع إثبات أن الهيئة تراقب الوضع وتعرض الدعم الفني، يضع الأساس القانوني لتحديد المسؤوليات بوضوح في حال حدوث أي تطورات سلبية.
سيناريوهات محتملة ومخاوف محلية
على الرغم من طمأنة هيئة قناة السويس بشأن انتظام الملاحة، تبقى هناك تساؤلات في الشارع المحلي حول ما إذا كان استمرار السفينة في الجنوح قد يتسبب في تآكل بدنها أو حدوث تسرب تدريجي للوقود أو تأثر الشواطئ في حال سوء الأحوال الجوية.
غير أن تأكيدات الهيئة والجهات المعنية بعدم وجود أي تسرب حتى الآن، إلى جانب نوع الوقود المستخدم وحجم خزاناته، يقلل من احتمالات حدوث كارثة بيئية واسعة، مع التحفظ على ضرورة استمرار المتابعة.
اقتصاديًا، لا يرتبط الحادث حتى اللحظة بأي تعطيل للملاحة أو خسائر مباشرة مماثلة لما حدث في أزمة “إيفر غيفن”، وهو ما يجعل الملف حتى الآن أقرب إلى “قضية فنية وقانونية” مرتبطة بمالك السفينة أكثر من كونه أزمة ملاحية كبرى.
ومع ذلك، فإن أي إهمال في التعامل مع السفينة أو تأخر في اتخاذ قرار انتشالها قد يفتح الباب أمام تعقيدات جديدة، خاصة إذا ما تدهورت الظروف الجوية أو حدثت أضرار للساحل أو البنية التحتية البحرية في المنطقة.
رسالة تطمين ورسالة ضغط
في الخلاصة، تحاول هيئة قناة السويس أن تمسك العصا من المنتصف؛ فمن جهة توجّه رسالة تطمين للمجتمع الدولي بأن حركة السفن في القناة طبيعية وأن الحادث لا يشكل تهديدًا للمجرى الملاحي، ومن جهة أخرى تبعث برسالة ضغط قانونية وأخلاقية إلى مالك السفينة الجانحة، مفادها أن ترك السفينة قبالة السواحل المصرية دون تحرك لن يمر دون مسؤولية.
وبين تحذير رسمي وجنوح مستمر، تبقى الأنظار معلقة بخطوة مالك السفينة القادمة: هل سيطلب دعم قناة السويس والجهات المصرية لانتشال السفينة وإنهاء الملف مبكرًا، أم يطيل أمد الأزمة ويفتح بابًا جديدًا لجدل قانوني وبيئي لا ترغب مصر ولا العالم في تكراره في واحد من أهم الممرات الملاحية على مستوى العالم؟










