شقق بالملايين بلا مشترين.. كيف علِق السوق العقاري في فخ الأسعار المبالغ فيها؟
يشهد سوق العقارات في مصر خلال مطلع 2026 حالة شديدة التباين بين استمرار ارتفاع الأسعار في مدن ومشروعات بعينها، وحديث متصاعد عن «تصحيح عنيف» قد يخفض قيم بعض الوحدات بعد موجة صعود قياسي في 2024 و2025.
هذا المشهد المزدوج يضع المشترين والمستثمرين أمام مفترق طرق بين انتظار الهبوط أو اللحاق بزيادات جديدة متوقعة في مناطق أخرى.
اتجاهات الأسعار الآن
تؤكد تقارير وتحليلات حديثة أن أسعار العقارات في مصر ما زالت في منحنى صاعد، مع توقعات بزيادات تتراوح بين 10 و15% في 2026، خصوصًا في المدن الجديدة ذات الطلب المرتفع مثل القاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية و6 أكتوبر.
وتشير تقديرات خبراء إلى أن جزءًا من هذه الزيادات يرتبط بالتوسع العمراني والمشروعات الضخمة والبنية التحتية، وليس بالمضاربة وحدها.
في المقابل، يحذر خبراء آخرون من أن جزءًا من الأسعار الحالية «مبالغ فيه»، وأن السوق مقبل على تصحيح قد يصل إلى خفض 25% من قيم بعض الوحدات مقارنة بذروة 2024–2025، خاصة في المشروعات السكنية الجديدة التي تم تسعيرها على أساس تكلفة مرتفعة وسعر صرف سابق.
ويُرجع هؤلاء التوقعات إلى تراجع القدرة الشرائية، وهدوء الطلب الفعلي على الشراء الكاش، مع زيادة الاعتماد على أنظمة التقسيط الطويلة والعروض التحفيزية.
خريطة الأسعار بين المدن والمشروعات
تتفاوت أسعار الشقق والمتر السكني بشكل واضح بين المحافظات والمدن الجديدة، حيث تميل العاصمة الإدارية والقاهرة الجديدة و6 أكتوبر إلى تسجيل أعلى المستويات.
في القاهرة الجديدة، تتجه التوقعات إلى متوسط سعر متر في التجمع الخامس بين نحو 68 و71 ألف جنيه في 2026، خاصة بالقرب من شارع التسعين والكمبوندات المغلقة.
في العاصمة الإدارية الجديدة، تشير تقديرات شركات تسويق عقاري إلى أن متوسط سعر المتر السكني قد يدور بين 27 و46 ألف جنيه وفقًا لقرب المشروع من الحي الحكومي والنهر الأخضر ومستوى التشطيب والخدمات.
أما في مدينة 6 أكتوبر وغرب القاهرة، فتتوقع تقارير متخصصة زيادات بين 10 و12% خلال 2026، مع نطاق لأسعار المتر يتراوح تقريبًا بين 44 و74 ألف جنيه وفقًا للموقع وطبيعة المشروع.
موجة صعود سابقة وضغوط حالية
شهد عام 2025 ارتفاعات كبيرة في الأسعار وصلت في بعض المناطق إلى 30–50%، لا سيما في التجمع الخامس والشيخ زايد والمستقبل سيتي، مدفوعة بارتفاع تكاليف مواد البناء وتمويل المشروعات وتراجع قيمة الجنيه.
واضطر مطورون لرفع الأسعار لتعويض كلفة الأراضي والإنشاءات، ما خلق انطباعًا لدى كثير من المشترين بأن السوق يعيش «فقاعة سعرية» أو على الأقل مرحلة تسعير مبالغ فيه.
هذه القفزات السابقة تزامنت مع توسع كبير في طروحات الوحدات الفاخرة وفوق المتوسطة، بينما ظل الطلب الحقيقي لمحدودي ومتوسطي الدخل معتمدًا على برامج الإسكان المدعوم ومشروعات مثل «سكن لكل المصريين» و«سكن مصر» و«دار مصر» و«جنة» بأسعار أقل نسبيًا وبنظام التمويل العقاري طويل الأجل.
ومع بداية 2026 تترقب آلاف الأسر ما ستعلنه وزارة الإسكان من طروحات جديدة، بعد أن تراوحت قيم الوحدات الحكومية في آخر طروحات 2025 تقريبًا بين 400 ألف و1.2 مليون جنيه حسب المدينة والمساحة.
هل نحن أمام فقاعة أم تصحيح طبيعي؟
بين خطاب يؤكد استمرار الصعود وخطاب آخر يتحدث عن «زلزال عقاري» وتصحيح عنيف، يبدو السوق المصري في 2026 داخل مرحلة فرز حقيقية بين مشروعات تستحق أسعارها وأخرى تحتاج إعادة تسعير.
تحليلات متخصصة تعتبر أن ما يحدث ليس «انهيارًا»، بل انتقال من منطق «الشراء العشوائي» إلى مرحلة انتقاء الفرص، مع صعوبة إعادة البيع السريع (الريسيل) بالربحية نفسها التي اعتادها المستثمرون في السنوات الماضية.
وتشير تقارير مهنية إلى أن الطلب على السكن لن يختفي في ظل تجاوز عدد السكان 110 ملايين نسمة واتساع الرقعة العمرانية، لكن الفارق سيكون في نوعية المشتري وطريقة الدفع، إذ يتجه السوق تدريجيًا إلى المشترى الجاد طويل الأجل بدل المضارب قصير الأجل.
كما أن أي انخفاض محتمل في التضخم وأسعار الفائدة، إذا تحقق فعليًا، قد يدعم استقرارًا نسبيًا ويحد من الصدمات العنيفة في الأسعار.
نصائح متداولة للمشترين والمستثمرين
ينصح محللون العقار السكني من أجل السكن الفعلي بالتركيز على القدرة على السداد وجودة المنطقة، أكثر من مطاردة «التوقيت المثالي للشراء»، مع تفضيل الوحدات الجاهزة أو القريبة من التسليم لتقليل مخاطر تأخر المشروعات.
أما المستثمرون فيُنصحون بدراسة المطور جيدًا، وفهم دورة السوق، وعدم الاعتماد على توقعات بيع سريع في سوق إعادة البيع خلال 2026، مع تجنب الدخول في مشروعات تسعيرها مبالغ فيه قياسًا بالمناطق المجاورة
ويرى خبراء أن من يملك سيولة حقيقية يمكنه التفاوض على خصومات أو تسهيلات أفضل، خاصة في ظل حالة الركود النسبي لدى بعض الشركات، بينما قد يستفيد من يترقب الهبوط من فرص تصحيح سعري في مشروعات محددة إذا تحقق السيناريو المتشائم.
في الحالتين يظل العقار في نظر قطاعات واسعة من المصريين «ملاذًا آمنًا»، لكن بشروط جديدة تختلف عن سنوات القفزات العشوائية السابقة.










