فشل مجلس النواب العراقي، اليوم الأحد 1 فبراير/شباط 2026، للمرة الثانية في عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، في ظل استمرار الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني (PDK) والاتحاد الوطني الكوردستاني (PUK) حول المرشح. هذا الإخفاق المتكرر أعاد فتح باب التساؤلات حول ما إذا كان الانسداد ناتجًا عن خلاف كردي تقليدي، أم أنه تحوّل إلى أداة ضغط سياسية ضمن صراع أوسع على تشكيل الحكومة المقبلة، لا سيما مع الجدل المحيط بعودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء.
خلفية الفشل: خلاف كردي كلاسيكي يتجدد
أعلنت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب تأجيل الجلسة “حتى إشعار آخر” بعد عدم تحقق النصاب، في مشهد بات مألوفًا خلال الأسابيع الماضية. ويتمسك الحزب الديمقراطي الكوردستاني بمرشحه فؤاد حسين، وزير الخارجية الحالي، فيما يدعم الاتحاد الوطني الكوردستاني نزار آميدي، دون التوصل إلى صيغة توافقية.
ويعود هذا الخلاف إلى جذور أعمق تتعلق بالصراع السياسي داخل إقليم كردستان نفسه، ولا سيما ملف تشكيل حكومة الإقليم وتقاسم النفوذ بين أربيل والسليمانية. وقد انعكس هذا الانقسام على المشهد الاتحادي، مع تجاوز المهلة الدستورية التي تنص على انتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يومًا من الجلسة الأولى للبرلمان.
ويرى مراقبون أن الإشكال لم يعد كرديًا صرفًا، بل بات مرتبطًا بتوازنات المكونات الأخرى، إذ يشترط الإطار التنسيقي الشيعي حسم الموقف الكردي قبل المضي في استكمال الاستحقاقات الدستورية.
هل هو تكتيك كردي لإبعاد المالكي؟
تداولت أوساط سياسية فرضية مفادها أن استمرار الخلاف الكردي قد يكون تكتيكًا متعمدًا لتعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، وبالتالي منع تكليف رئيس وزراء، في ظل وجود نوري المالكي كأقوى المرشحين داخل الإطار التنسيقي، رغم عدم إعلان ترشيحه رسميًا.
وتشير هذه القراءة إلى أن انتخاب الرئيس هو الخطوة الدستورية التي تفتح الباب أمام تكليف رئيس الحكومة، ما يجعل تعطيلها وسيلة فعالة لكبح مسار المالكي. ويُقال إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني أبدى مرونة تجاه المالكي مقابل ضمانات تتعلق بالملف النفطي وحصة الإقليم من الموازنة، في حين يتخذ الاتحاد الوطني موقفًا أكثر تحفظًا، ويربط أي توافق بتسوية داخلية كردية أولًا.
في المقابل، تنفي قيادات الحزبين وجود أي صلة مباشرة بين الخلاف الكردي وملف رئاسة الوزراء، مؤكدة أن الأزمة داخلية بحتة. ومع ذلك، تتحدث مصادر سياسية عن ضغوط ورسائل دولية، لا سيما أمريكية، تحذر من عودة المالكي، ما يزيد تعقيد المشهد.
تداعيات الفشل: فراغ دستوري ومخاطر متراكمة
يدخل العراق، مع استمرار التعطيل، في حالة فراغ دستوري متزايد. فالرئيس الحالي يواصل مهامه بصيغة تصريف الأعمال، لكن تجاوز المدد الدستورية يفتح الباب أمام الطعن في الصلاحيات ويؤخر تشكيل الحكومة بشكل كامل.
سياسيًا، يعمّق الانسداد الانقسامات داخل الإطار التنسيقي نفسه، حيث لا يحظى المالكي بإجماع كامل، بينما تبدو القوى السنية منقسمة على موقف موحد.
اقتصاديًا، ينعكس التأخير على المشاريع الاستثمارية والاتفاقات النفطية، وسط تراجع ثقة المستثمرين.
أمنيًا، يحذر مراقبون من أن فقدان الثقة بالعملية السياسية قد يعيد أجواء الاحتجاجات، خاصة في ظل تردي الأوضاع المعيشية.
دوليًا، يُضعف الشلل السياسي موقع بغداد في علاقاتها مع واشنطن وطهران، ويجعلها أكثر عرضة للضغوط الخارجية.
قراءة في الدوافع: صراع مصالح لا مؤامرة كاملة
رغم جاذبية فرضية “التكتيك الكردي لإبعاد المالكي”، يرى محللون أن الواقع أكثر تعقيدًا. فالديمقراطي الكوردستاني لا يمانع المالكي مبدئيًا، بينما يستخدم الاتحاد الوطني ورقة الرئاسة لتحسين شروطه داخليًا. وفي الوقت نفسه، قد يكون الإطار التنسيقي نفسه مستفيدًا من إطالة أمد الأزمة لإعادة ترتيب أوراقه والتفاوض على بدائل.
يحذر خبراء دستوريون من أن استمرار هذا المسار يشكل “خرقًا دستوريًا خطيرًا” قد يقود إلى حكومة تصريف أعمال طويلة الأمد، ويقوض ما تبقى من ثقة شعبية بالنظام السياسي.










